العقل الديني مازال يأسر المجتمعات الغربية وثقافاتها

الثلاثاء 2017/06/13
تحليل آليات اشتغال العقل الديني الغربي

بيروت - يعد كتاب عالم الأديان التونسي عزالدين عناية المدرس بجامعة روما-إيطاليا "الدين في الغرب" إطلالة على نظام اشتغال العقل الديني الغربي وعلى نمط سير عمل مؤسّسة الكنيسة. لا ينحو الكتاب في ذلك إلى التعاطي المجرّد مع هذين العنصرين، بل يتابع تنزيل التصورات وتنفيذ القرارات في الواقع، سيما لمّا يتمأسس الدين ويغدو مؤسسة تنشد النفوذ والهيمنة.

وفي تلك الرحلة للدين من الشعيرة، إلى الفكرة، إلى المؤسسة، ثمة ضبابية في التصورات العربية يصحبها قصور في معالجة مسائل الواقع الديني الغربي متأت من نقص أدوات المتابعة ومحدودية الإلمام بقضايا المسيحية المعاصرة. إذ لا يشكّل الدين في الغرب شاغلا من شواغل المؤسسات الأكاديمية العربية أو مراكز الأبحاث الناشئة. والأمر متأت من تقدير خاطئ ومضلِّل بأن الغرب علماني وليس ثمة حاجة إلى متابعة أوضاعه الدينية وإيلائها بالغ الاهتمام.

هذا الأمر أثّر في قدرات الإلمام وجعل الدارس يتعاطى مع قضايا الغرب الدينية بشكل سطحي يبلغ مستوى من التبسيط المخلّ، يركن فيه النظر إلى تهويمات غائمة مثل أن الكنائس خاوية إلا من المسنين بعد أن هجرها روادها، ويغفل عن سائر الأنشطة التي تقدمها الأبرشيات دعما واحتضانا لمختلف فئات المجتمع. لكن الغرب الديني ممثَّلا في كنيسته الكبرى الكاثوليكية، ومختلف أنواع الإنجيليات الجديدة، وسائر الكنائس البروتستانتية والأنغليكانية، يبرز حاجة ملحة في الراهن إلى متابعة مساراته وتوجهاته وتحولاته، بموضوعية وعلمية، لما لها من عميق الأثر في بلاد العرب، خصوصا وأن تلك المواقع الدينية تساهم مساهمة فعالة في بلورة الرؤية السياسية الغربية نحو العرب والمسلمين. إذ صحيح أن العلمانية حدّت من نفوذ الدين الجليّ، ولكن نفوذه الخفي، الاجتماعي والثقافي والتربوي، ودوره القوي في توجيه الرأي العام، ما انفكا يتفاعلان ويتطوران. وقوة تأثير الدين في الغرب تتجلى في العديد من المظاهر، كحيوية أحزاب اليمين المسيحي، ونفوذ اللوبيات الضاغطة، وتجذر المؤسسات الثقافية والتعليمية والصحية، وكلها قطاعات تشمل بتأثيرها شرائح واسعة من المجتمع.

من هذا المنظور فالكنيسة، بوصفها مؤسسة مركّبة، هي قوة فاعلة ونافذة في الكثير من البلدان، لا يضاهي حضورها حضور أي مؤسسة دينية في العالم، برغم الواقع العلماني المحتضن للمؤسسة الدينية في الغرب. وتبعا لهذا الدور ليس الغرب هيمنة سياسية، أو نفوذا اقتصاديا صرفا، يخلو من أبعاده الدينية، بل هو مركّب متنوع تُشكِّل الرؤى الدينية جانبا مهمّا من مكوناته.

كتاب “الدين في الغرب”، الصادر عن الدار العربية للعلوم في بيروت، يضمّ سلسلة من الدراسات تراوح بين المقاربة التاريخية ذات المنزع التحليلي، والرؤية السوسيولوجية ذات المنحى التفسيري، حيث يتناول تطور علاقة اللاهوت بالسلطة في الغرب حتى لحظة الاصطدام بالحداثة. كما يسلّط الضوءَ على الكنيسة مبرزا وطأة التحولات الحديثة، حيث تَركّزَ الاهتمام في مسألتين اثنتين إحداهما الظروف التي ألمّت بالمسيحية الغربية حتى انفتحت على خصمها التاريخي اللاهوتي، ونقصد هنا اليهودية، ليغدو التراثُ الكتابيُّ المشترك أساسَ تحالف مصيري بين الديانتين.

وأما العنصر الآخر في تلك العلاقة فيتمثل في التنسيق والتعاون بين الطرفين في الراهن بشأن المقايضة على القدس الشريف، للقبول بالأمر الواقع والإقرار بسيادة إسرائيل على المدينة المقدسة، مقابل الاعتراف بتسيير الفرنسيسكان، فصيل الرهبنة التابع لكنيسة روما، للبقاع المسيحية المقدسة التي من ضمنها عليّة صهيون، موضع العشاء الأخير للسيد المسيح. وكمسألة ثانية جرى التطرّق إلى تقلّب مواقف الكنيسة، من الرفض مرورا بالقبول وإلى غاية التوظيف، لمفهوم جوهري من مفاهيم الحداثة ألا وهو حقوق الإنسان.

ويركز الكتاب اهتمامه كذلك على تحولات الداخل وتحديات الوافد الذي يشهده الواقع الغربي، فـ”السوق الدينية” تعرف حالة فوران للإنجيليات الجديدة لا سيما في شمال القارة الأميركية تشي بظهور كنيسة جديدة. لكن في زحمة هذا التحول الذي يشهده الواقع الغربي ثمة طارئ جديد على الساحة أطلّ خلال العقود الأخيرة يتمثّل في بروز “الإسلام المهاجر”، بات أتباعه يطالبون بحقوق على غرار غيرهم من أتباع الأديان الأخرى، تكفلُها الدساتير ويضمنها سير المجتمع المدني، لكن بعض البلدان تتلكأ في خوض تلك التسوية.

بالإضافة إلى ذلك أنّ واقع التدافع بين الأصيل والدخيل، أي التقاليد الدينية المسيحية والأشكال الجديدة الناشئة مثل التقاليد الدينية الشرقية والإسلام، غدا مدعاة لإثارة العديد من الانتقادات. وهو ما خصص له عناية دراستين عُنيت الأولى بالوجود الإسلامي في الغرب كوقائع ومصائر، واهتمت الثانية بصناعة الإسلاموفوبيا كشكل من أشكال الرفض والخشية من الآخر.

15