العقل الطليق.. في نبل الفلسفة

الأحد 2014/01/26
الفلسفة بوصفها نبيلة لا تجامل التاريخ ولا ذوات التاريخ

ينظر الفلاسفة والمشتغلون بالفلسفة إلى الفلسفة بوصفها مبحثا نبيلا. فيما ينظر العامة وأشباههم إليها نظرة سلبية تصل حد التحريم .

والحق أن نبل الفلسفة لا تعرفه إلا الأرواح النبيلة. فهي من المباحث النادرة التي تمنح مبدعها ومحبها ومريدها استقلالا للأنا ما بعده استقلال .

ففي الفلسفة يصبح العقل مرجع ذاته لا يحتاج إلى ما هو خارجه. ويستحضر كل ما ينجزه من مباحث أخرى ليعزز من استقلاله المطلق .

ولهذا ما من فيلسوف إلى ويعلن ذاته بدءا للتفكير ويعلن انزياحه عن المألوف من الأفكار والمعتقدات غير آبه بالعامة وأشباهها. بل إن بعض الأشباه سرعان ما يتعرضون لصدمة من شجاعة الفيلسوف.

فأسطورة سقراط هي حقيقة الفلسفة فخير لها أن تتجرع السم من أن تتخلى عن نبلها ووظيفتها في تحرير العقول.

ففكرة الحق نفسها ما كان لها أن تحتل مكانتها في تاريخ البشر لولا نبل الفلسفة .

الفلسفة بوصفها نبيلة لا تجامل التاريخ ولا ذوات التاريخ ولا سرّاق التاريخ.

ابن رشد لم يكترث بقرار نفيه إلى اليسّانة ولا أحد يعلم من الناس أسماء الفقهاء الذين كتبوا نص تكفيره، والقلة تعلم من أصدر القرار بنفيه.

ماتوا جميعاً وظل ” فصل المقال” و”عقائد الله ” و”تهافت التهافت” عصيا على البلى .

لا أحد يعلم من هو الذي حاول طعن اسبينوزا من عامة اليهود ولا أسماء أولئك الذين طردوه من الدين اليهودي ولكن كتاب ” الأخلاق” ورسالة في “اللاهوت والسياسة” وغيرهما من مؤلفات اسبينوزا ما زالت تسهم في تشكيل الوعي الأوروبي وغير الأوروبي .

لم ينظر هيغل إلى نابليون بونابرت وهو يشاهد من نافذة بيته جنوده تصل مدينته يينا على أنه محتل بل رآه العقل وقد امتطى حصانا. يظهر نبل الفلسفة في أنها تدك أكثر الحصون رجعيةً كما قال ماركس. غير هيّابة، وتجعل من الإنسان مركز العالم .

ما زال صوت كانط يرن في أذن التاريخ قائلاً: ” لو كانت سعادة البشر كلها وقفا على قتل طفل بريء واحد لكان هذا الفعل لا أخلاقيا “، وما زالت أبيات ابن عربي تلهم آلاف الإنسانيين:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي

إذا لم يكن دينه إلى ديني دان

لقد صار قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني .

إن الفلسفة وهي العقل النبيل هي عقل طليق بالضرورة لا يمكنها أن تقبل بأية طاغية من شأنه أن يكبّل العقل ويحملها على قول ولو جملة واحدة كتبريرٍ من شأنه أن ينال من حرية عقلها .

والنوكة ( جمع أنوك ) وهم يمدون لسانهم إلى الفلسفة والفلاسفة إنما يمثلون انحطاط العقل انحطاطاً مطلقا، إن هؤلاء الغارقين في الوسخ التاريخي والهاربين من الحق والحقيقة – يعبرون وعلى امتداد تاريخ الانعتاق الإنساني- عن عدائهم للفلسفة. شعلة بروميثيوس وسيزيف، سيزيف الذي صرخ في وجه زيوس: خير لي أن أحمل الصخرة إلى أعلى القمة من أن أكون خادما لك يا زيوس .

يسأل سقراط غلوغون في الجمهورية قائلاً ” تصور طائفة من الناس تعيش في كهف سفلي مستطيل ويدخله النور من باب، وقد سجن فيه أولئك ( أفراد الطائفة ) منذ نعومة أظافرهم والسلاسل في أعناقهم وأرجلهم فأضطرهم للجمود والنظر للأمام فقط . ذلك أن الأغلال تحول دون التفاتهم، ثم تصور أن وراءهم نارا ملتهبة في موضع أعلى من وقوفهم وبينهم وبينها تلة عليها جدار منخفض كسياج المشعوذين الذين ينصبونه تجاه مشاهديهم وعليه يجرون ألعابهم .

وتصور أناسا يمشون وراء ذلك الجدار حاملين تماثيل بشرية وحيوانية مصنوعة من حجارة وأخشاب ضخمة مع كل أنواع الأواني مرفوعة فوق الجدار. أوليست بما يمر أمامهم من الأشياء محدودة على القياس نفسه؟

فتأمل ماذا يحدث لهم إذا أفضى مجرى الأمور الطبيعي إلى تحريرهم من القيود وشفائهم من جنونهم .

ثم يعود سقراط ليسأل غلوغون: فتصور ماذا يحدث إذا هبط ذلك الإنسان ثانية إلى الكهف؟

أفلا يغشي الظلام عينيه لانتقاله فجأة من الشمس الساطع إلى ظلمات ذلك المكان.. وإذا اضطر لإبداء رأيه في تلك الظلال ومجادلة الراسخين في القيود أبد الدهر بخصوص الظلال أفلا يكون موضوع هزء ويقولون إنه صعد سليم النظر وعاد عليله.. أفلا يكون من الصواب براح ذلك الكهف. وإذا حاول فك أغلالهم وأصفادهم.. أفلا يستاؤون

منه إلى حد أنهم يغتالونه؟ يجيب غلوغون: بلى، إنهم يغتالون .

وسكان الكهوف بكل أنواعها يخشون الأنوار بكل أنواعها. سكان الكهوف هم وسخ التاريخ المناهض للشمس. من وسخ سلطة الاستبداد والقتلة إلى وسخ الغارقين بوحل الأقدمين، إلى وسخ حاملي الألقاب الزائفة .

يسأل كانط ما الأنوار؟ ويجيب: إنها خروج الإنسان من قصوره الذي هو نفسه مسؤول عنه، وعجزه عن استعمال عقله دون إشراف الغير.. القصور لا يكمن في العقل بل في الافتقار إلى القرار والشجاعة في استعمال عقلك أنت.

وأنّى للأنوار أن تكون بلا نبل الفلسفة.

11