العقل العربي استفاق فأسقط الحكومة وفضح المعارضة وصدم النخبة

الأربعاء 2013/08/21
لاجئون سوريون هربوا من الصراع في سوريا الى العراق المضطرب

عـبّرت الثورات العربية عن لحظة ثوريّة خاطفة حرقت من التاريخ مراحل نحو كسب نقاط متوالية أفلتت من رصيد السلطات والأنظمة العربية. إذ فشل النظام العربي في مواجهة موجة متراصّة من الجماهير تكتسح الشوارع والميادين. وظهرت صورة غير مألوفة عن الإنسان العربي والوهم النمطي فيها. يسمّي مروان بشارة تلك الحالة بــ "العربي الخفي".

فحوى هذا التوصيف متعلـّق بحقيقة لطالما أراد النظام العربي وحليفه الغربي إنكارها، وهي قابلية العربي للتغيير، بعيدا عن نظريات تُفسّر الواقع السياسي بأزمات "حضارية" ذات طابع جوهري خالص متعلق بتكوين العقل العربي عبر التاريخ، والبرهنة على ذلك بانعزال البقعة العربية عن رياح الديمقراطية العالمية في عصرها الحديث، أو فترات ما بعد الاستقلال.

ربان القيادة

جاءت الإتاحة من امتدادات توليفة هذه الثورة التي تتمثل في الشباب المتعلم الذي شكّل رُبّان القيادة الحراكية لوسائل الاتصال الاجتماعي، ثمّ جموع الناشطين المنحدرين من طبقة وسطى ميسورة نزولا إلى محدودي الدخل. هؤلاء وجدوا أنفسهم خارج عالم السياسة وامتيازه المحتكر من قبل محدثي النعمة. كما تضم جموع العاطلين عن العمل الذين لفظتهم سياسات اللبرالية في تماهي مؤسسات النظام العربي مع اقتصاد السوق الاجتماعي. ولا ننسى نواة حركات الاحتجاج أبناء المدن معطلة التنمية.

هذه التوليفة مضاف إليها قطاعات من أصحاب الورش والمصانع التي ضربتها أكثر ما ضربتها منافسة البضاعة الأجنبية لها، نتيجة الانسياح الليبرالي السلطوي جعلت الثورات عموما، والسورية خصوصا كما يقول ياسين الحاج صالح (تجمع الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، وتجتذب شركاء من الطبقة الوسطى المتعلّمة والمهنيّة، وتخاطب أطيافا جهويّة وثقافيّة ودينيّة ومذهبيّة متنوّعة من المجتمع السوريّ.

وهي، بذلك، أقربُ شيء إلى "عامّيّة" سوريّة، تجمع من السوريين ما لم يجتمع يوما، عددا ونسبة ووعيا بالوحدة. وهي عبر شعارها المركزيّ اليوم، "الشعب يريد إسقاط النظام،" تمثّل التجربة المكونة للشعب السوريّ، وتاليا لشرعيّة جديدة قائمة على الشعب والسيادة الشعبيّة).

أمّا رجال الأعمال (المعارضين) أصحاب الثروات والأرصدة التي تضاهي أوليغارشية الأنظمة من جهة وتقاسمها رؤاها في نمط الإنتاج من جهة أخرى، فأشعرهم ما حدث بفُرص العودة إلى مكانتهم واستحواذهم على مُخـلـّـفات من أبعدوهم بقوة تحالفهم مع العسكر. هذا سيدفع بهم في أطوار لاحقة ليكونوا داعمي عسكرة الثورات العربية من باب وضع حدّ لجذريّتها والأكثر حماسا لأدلجتها الطائفية وتدويلها.

ما كان من وجه الخيرية "العضوي" في انخراط النخب الثقافية إلاّ أن انحطم وتشعّب بعد أن أفصحت الحشود الشعبية العريضة عن حساسيات اجتماعية أدق.

وبعد أنّ أدّت صيرورة الأحداث دورها في جعل ثنائيات السلطة والمعارضة تتفسخ لصالح رؤى تراوح بين الجذرية الحقيقية في شمولية التغيير لقواعد النظام، وسياساته الاجتماعية. وبين نفعية أكثر في جعل مهمة الثورات محصورة في نطاق السياسي دون التّعمُّق ببنيوية الاقتصاد والإنتاج الموكلة لهما المهام التاريخية.

بعبارة أخرى نستطيع صوغ التالي: موقع الثورات بين المهام السياسية والمهام التاريخية أدى إلى انفراط عـقـد تلك التوليفة. ونحيلُ ذلك التحطيم إلى عدة أسباب فعلت فعلها على المستوى "العربي" بعموميّته.

وكان يكفي توافرُها في ساحة من ساحات دول التغيير والثورة. حتى نجد صداها وفاعليتها على باقي الساحات. ما ينزع عنها التراتبية الحتمية المُتطلـّـبة في كل نموذج، أو بلد على حدة، وهي:

أ- المعارضة، السلطة أو (صراع السلطتين)

أتاحت سياسات وتحالفها مع الأمن والعسكر. أنْ تكون شعارات شارع الثورات العربية على قدر من الوعي بمدى ربط المطلبي اليومي بالإنجاز السياسي، وإدراك ألاّ حياة سياسية "جديدة" في المستقبل دون الانطلاق ببناء الفرد ومتطلباته المعيشية والإنسانية حتى يقدر على استخلاص المكتسبات من دوامة الصراع قبل أنْ تتحوّل التكاليف إلى عملية تفريغ الثورة من قواها وحواملها. وهذا هو الشرط لاعتبار حركات التغيير بالمقياس التاريخي (لا الآني أو الطوباوي) في عداد ثورات تكون معنية بتقديم أنموذج عالمي، مؤنسن، أكثر من أن يُحدّ في بلد أو أيديولوجيا.

مجتمعيا، ما قدمته الشعوب العربية جدير أكثر مما شهده تاريخ العالم المعاصر بإحكام ذلك الشرط واستحقاقه. لا بل إنّ ثوريته تكمن في الحالة البعيدة عن الهـوس بالنموذج ونمطيته، مما أكسبه دفعات أخرى. أمّا في مناحي سياسية أخرى فهي تخضع لشرطها الخاص والنخب الفاعلة بها ومسؤوليتها. وليس انتهاء بالظرف المعولم الذي حرص مع وكلائه على تأبيد الديكتاتورية وتشويه التغيير.

لا شكّ أنّ الانعكاسات الاجتماعية للعاميّة عريضة على التيارات السياسية. فما من أحد كان خارج دائرة التأثر أو غير معنيّ بما يحصل. رأينا هذا في المشهد السياسي العمومي الذي يضم أشتاتا من أقصى اليمين حتى أقصى اليسار وما بينهما من تلاوين. ما يعني أننا أمام عتبة تدفع بـنُـوى أيديولوجية وتنظيمية إلى الضوء. وقد يُقيّض لها الإنماء في صيرورة الثورة وأطوارها. من يدري؟ إلاّ أنّ الانعكاس العريض بقي محصورا في هذه الصفة، أي: السطح دون أن يتعداها إلى صفة "العمق" الآخذة بالفعل في دائرة التأثير على العامية والنهوض بها تاريخيا. منها راحت عوامل النفي تتجه أكثر صوب القواعد. وراحت المعارضة (بوصفها سلطة أخرى) تدفع لصالح طبقيتها.

وصار اعتياديا التصاق هامات من رجال أعمال ليسوا فقط سوريين وإقليميين وعالميين أيضا، بالثورة (على طريقتهم). وبدل أن تكون الانتفاضة كما حدّدها ياسين الحاج صالح: "انتفاضة تمرّد لمجتمع العمل على مجتمع السلطة والامتياز، ويكون إنجازُها مطابقا لمحركاتها الاجتماعيّة العميقة إنْ هي أعادت بناء النظام الاجتماعيّ والسياسيّ وسُلّم القيم حول العمل، بما في ذلك المعرفةُ والكفاءة، ضدّا على الثروة والسلطة… السلطة التي أنتجت أثرياءها الجدد، مهربي الآثار والمخدرات، أو ببساطة سارقي المال العام". راحت تتحول إلى حرب لها أثرياؤها الجدد من عصابات الخطف ومهربي قطع المصانع، وبائعي الآثار. وهي الوجه الآخر للاستثناء، بعد النظام.

هنا يتّضح التضرر الحاصل على النمط العامّي، فمن جهة لا محدد أو مقدّس فيه بخصوص أشكال النضال المتّبعة؛ لأنّ العامية تنطلق في تعريف نفسها ممّا سنسميه "العقد الثوري" الذي يجمع عُـرى قواها المنخرطة في عملية التغيير الجذري. ويأخذ بها على حساب الأشكال ونصاعتها، بقول آخر أين العامية من السّلمية والسلاح؟ إنّ تزامن تحطيم العامية بالضد من قواعدها وارتفاع العسكرة الممنهجة لصالح أثرياء الحرب الجدد، جعل في السلاح خللا بنيويا يُقصّر به من أنّ يتقدم خطوة باتجاه العنف الثوري، لذلك بدا وكأنّه من حرف مسار الثورة السورية عند السلميين. كما خلق عند أنصار السلاح مبررات "تفسيرية" مفادها حماية المظاهرات السلمية، بالسلاح!…

ب- وصول الإسلاميين إلى السلطة

لم يوفر الإسلاميون جهدا في البلدان التي سقطت فيها الأنظمة من أجل الحلول مكانها. كونهم الأكثر تنظيما من باقي الخصوم والأكثر قدرة على التعاطي مع القواعد (بسبب التمويل الضخم، وليس القدرة على حلحلة المشاكل التي ورثوها من الأنظمة أو بسبب أيديولوجيتهم "الفذة" والأقرب إلى الناس كما يدّعون). أمّا المتحالفون معهم فنظرتهم السياسية إلى سيطرة الإسلاميين على الحكم مفادها (دعهم يحكمون، دعهم يفشلون، وفي أوان الثورة دعونا متحالفين) على اعتبار أن الإسلاميين أصحاب أيديولوجيا لا أصحاب برنامج وآليات. بينما يغرق المجتمع بمشاكله اليومية التي لا تتمحور بشكل رئيس في الأيديولوجيا. لكن من قال إن الفشل يؤدي بالضرورة إلى ترك الحكم. "لن يترك الفاشلون الحكم بغير ضغط معارض بعد الثورة وغير متماه مع مجالس الإسلاميين وكياناتهم أثناءها كي لا نكون "تسنيدة".

في تمثيل هذا التجريد، أعلاه. وجدنا كيف سقط النموذج الإخواني في حلقته الأقوى (مصر) نتيجة ضغط شعبي هائل ومؤطّـر سياسيا. بينما تـتّخذ حركة النهضة في تونس من الترويكا الحاكمة (التي تضمّها وحزبي اليمين: المؤتمر والتكتل) دريئة في وجه الجذرية التاريخية لمهد الثورات العربية. كذلك الوضع القائم في سوريا من خلال توسعة الائتلاف ذات الطابع العلماني الأخيرة، التي قام بها ميشيل كيلو مُدّعيا أنّ هذه العملية ستخلق حالة من التوازن مع الإسلاميين داخل الائتلاف بينما الحقيقة تفصح عن تلفيق في احتواء هذا التشكيل لأيسر المختلفين (أي الليبرالي القطري والليبرالي السعودي). وأصبح التنافس بينهما ضمن ميدان مصلحي أكثر حيطة. يرعى كلّ منهما الآخر بالممكن في فترة "الثورة" السورية (على طريقتهم).

كان من الأجدر للثورة فكفكة مثل هذه الكيانات من أجل ديمومتها. لكن كيف؟ فالجموع الشعبية تفتقد آلية الفعل في "ممثليها". مما يعبّر عن أزمة ناتجة عن ماهية التوليفة الأولى، واستمراريتها التي أتاحت مكانا واسعا للمستفيدين منها، وغير المعنيين سوى بتجيير مسارها لصالحهم، أو قدرة الطبقات الشعبية على طرد الدخلاء من حركيتها وتحديد آثار فعلهم في مصيرها التاريخي. وما كان هذا ليحدث لولا تمادي الأنماط العفوية على حساب التنظيم. ولولا تخلي الكثير من المنظرين الثوريين عن التدليل على تلك الخطورة.

6