العقل يعشق قبل القلب أحيانا

تعتبر عواطف الإنسان وانفعالاته عملية كيميائية تحدث نتيجة لمنبه معين، فمن خلال نظرة عين أو رائحة تتسلل إلى الأنف، أو كلمة رقيقة من صوت مؤثر تلتقطها الأذن، أو لمسة من نوع خاص تشعر بها اليد، تحدث للإنسان تغيرات كيميائية تجعله يعيش وقتا سعيدا، تبدأ من المخ وتنتقل من الأعصاب لتصل إلى أعضاء الجسم من خلال الدم.
الأحد 2016/02/14
محاولة تعريف الحب أصعب مهمة على أي إنسان

القاهرة - عيد الحب مناسبة لتجديد التعبير عن مشاعر الحب عن طريق العديد من الوسائل، كتقديم الهدايا، أو التعبير الشفهي أو الكتابي عن طريق قصائد أو رسائل الحب. غير أن البعض لا يحب الاحتفال بهذه المناسبة ويعتبر أن عيد الحب هو فكرة تستفيد منها الشركات التجارية.

ويرفض البعض الآخر تخصيص يوم يتيم في السنة للاحتفال بالحب، في حين أن الحب بالنسبة إليهم ينبغي أن يسود كل أيام السنة. وفي بعض الدول العربية والإسلامية يرى البعض أن الاحتفال بعيد الحب، الذي يصادف يوم القديس فالنتاين، ليس جزءا من الهوية والثقافة العربيتين.
ولم يستطع العلم بكل ما وصل إليه من تقدّم وتعمّق في النفس البشرية أن يفسر لماذا ينجذب الإنسان إلى الآخرين، ومع ذلك اكتشف الدكتور ديفيد برلينير عالم الطب الأميركي، وجود مواد كيميائية يطلقها جسم الإنسان، يطلق عليها اسم "فيرمون" تُشكّل نوعاً من شفرة حسية تلعب دوراً مُهماً في سلوك الناس وعلاقاتهم العاطفية.

ويعتقد بعض العلماء، أن أنف الإنسان يحتوي على قناتين للحس، تضم كل منهما جهازها الخاص بها وأعضاءها ونتوءاتها في الدماغ، ويستجيب أحد حسي الشم للروائح، بينما يستجيب الحس الأنفي للفيرمون الذي يؤثر على سلوك البشر، وبالتالي يخلق ما يسمى كيمياء الحب.

وفي رأي للشاعر الكبير محمد الفيتوري أن "الحب عبارة عن نظرة أو لمحة تخطف قلب الطرفين، ومع الوقت يتغلغل في داخل سويداء القلب"، وتابع "الحب يعني ارتباطاً روحياً مُجرداً، فقد يربط الحب بين شاعر وزهرة فتكون هذه الزهرة هي حبه الأول".

من جانبه، يرى الدكتور يسري عبدالمحسن أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، أن القلب هو المتحكّم في مشاعر الحب أو الكره، وبالتالي يوجد تقارُب بين المخ والقلب، كونهما ينفعلان لسبب واحد، ويرى أن الإيمان والحب والحياة مركزهم العقل ويمتد إلى القلب، وبالتالي لا يكون للشخص يد في الارتياح لشخص ما أو رفض آخر، والأمر كله لا يتعدّى نطاق العاطفة البشرية والمشاعر الإنسانية، ويؤكد أنه لا يوجد حب حقيقي وآخر مُزيف، والمحب يفكّر فقط في كيفية إسعاد الآخرين.

ويفرّق الدكتور حمدي غانم استشاري الطب النفسي في القاهرة، بين الحب والرغبة، فأحياناً يتملّك الشخص شعور مزدوج بين الحب والرغبة، ويظل في حيرة من نفسه، هل هي رغبة أم عاطفة تتحرك نحو الآخر؟

الحب عبارة عن توافق بين العقل والقلب، ووقتها يشعر الشخص أن حياته بدأت تحمل معاني جميلة وفرحة لا توصف، وتضحية من أجل إسعاد الطرف الآخر بأي شكل

وعن التفرقة بينهما يجيب غانم قائلاً: الحب عبارة عن توافُق بين العقل والقلب، ووقتها يشعر الشخص أن حياته بدأت تحمل معاني جميلة وفرحة لا توصف، وتضحية من أجل إسعاد الطرف الآخر بأيّ شكل، بينما الرغبة هي شعور جسدي بحت، وتنتهي بمجرد أن يشبع كل طرف رغبته، بمعنى أن كل طرف يكون مُجرد أداة لتنفيذ رغبات الآخر، ويؤكد أن شعور الرغبة إحساس جسدي وليس عاطفياً، فلا يوجد اهتمام أو مصير مُشترك بينهما، ولكن يحدث الاقتراب فقط وقتما شعر أيّ منهما بالرغبة.

ومن جانبه قال الدكتور يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي: إذا أردنا أن نعرف ما الحب، فسنجد أن مُحاولة تعريفه هي أصعب مُهمة على أيّ إنسان، سواء كان مُفكراً أو فيلسوفاً أو شاعراً أو عالماً، كما أن هناك أنواعاً كثيرة مُختلفة وأنماطاً شديدة التنوّع للحب، حيث يوجد حب الآباء لأبنائهم وحب الوطن، إلى جانب الحب الذي نتحدث عنه ونقصده، وهو حب الرجل للمرأة والعكس.

ويتابع قائلا: وفي كل أنواع الحب التي ذكرناها أو تناولتها التعريفات، يظل العنصر الأساسي الذي يشملها جميعاً، والعصب الأساسي الذي يغذّيها هو شيء واحد فقط، ألا وهو الاهتمام، فالاهتمام بالشخص المحبوب هو أهم الضروريات، أو على الأصح هو الحد الأدنى لأيّ تعريف، ودون هذا الاهتمام يصبح ما يشبه الحب مُجرد رغبة أو نزوة.

ويضيف الرخاوي: وفي أوقات كثيرة يكون المحب أنانياً، ويبحث في الحب عن مصالحه أو مُجرد التجربة المزاجية، فمثلاً من الممكن أن يصرّح مُراهق لصديقته بقوله "أنا أحبك"، وهو في الحقيقة يحاول أن يستفيد منها مادياً أو حل بعض المشكلات، وفي حالات أخرى كثيرة تكون مشاعر الحب من أجل الحصول على ثروة أو مكانة اجتماعية أو سلطة.. إلخ، وتكون الرغبة في كل هذا هي التي تؤدي بالشخص إلى أن يتظاهر بحب شخص ما، لكي يصل إلى هذه الأهداف.

أما الدكتور أسامة عبدالسميع أستاذ علم الاجتماع فيرى أن تجربة الحب في عالمنا لا يرتاح لها المُجتمع المصري، الذي تنهشه الأكاذيب والنفاق والخداع والجرائم من أجل المال، وهناك مَنْ يوظّف الحب من أجل مصالحه الشخصية، أو ليبحث عن فرص تعوّض له كثيراً من خسارته في الحياة.

فالحب اليوم أصبح في مفهوم الشباب اقتناصا للفرص والبحث عن الفتاة الثرية، التي يمكن أن يستفيد منها باسم الحب والاهتمام والتضحية، وكلها مُصطلحات ماتت من قاموس الشباب هذه الأيام، فمشاعر الحب في هذا الزمن الصعب أصبحت نادرة، لأن الحياة والأزمات الاقتصادية قتلت كل تلك المشاعر وحوّلتها إلى تجارة. وصورة الشاب أو الفتاة الصادقة في مشاعر الحب أيضاً انتهت، فالفتاة تريد الزواج بأيّ طريقة، وقد يدفعها هذا إلى الكذب وإخفاء أسرار كثيرة عن الأهل، وقد تتظاهر بالحب حتّى تحصل على الزوج الموعود، ولذلك أنصح الجميع أن يكونوا صادقين في المشاعر وليسوا زائفين، حتى يحقّقوا تجربة عالية في الحب وذات قيمة كبيرة.

ويقول الدكتور مصطفى الهلباوي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة الفيوم: إن تجربة الحب ضرورية لحياتنا، لأن الحب يُعالج فينا بعض الأمراض النفسية، مثل الحقد والكراهية والأنانية، ويمحو من أعماقنا العُنف والغضب، ويجعلنا في حالة من الثبات النفسي في مواجهة الأزمات، فالحب إذا كان نابعا من مشاعر حقيقية ويُعبّر عن مشاعرنا دون زيف، فسوف يساعدنا على مُقاومة الظروف الصعبة التي تحيط بنا.

21