العقوبات الأميركية بين الحرب والتجارة

السبت 2017/08/05

كانت الدول إلى وقت قريب تتعاطى بالصداقة والعداء، وتتصرف بمنطق الأفراد بالتقارب والمصالحة بعد الحروب أو لدرئها، لذلك كانت مظاهر المصاهرة بين الأسر الحاكمة أحد الحلول المهمة والواقعية لضمان الاستقرار وكف الأذى أو لتأمين الدعم والإسناد عند التعرض لعدوان من طرف ثالث.

المعاهدات والاتفاقيات تطورت إلى كتل دولية وإلى مواثيق شاملة بعد تجربتين لحربين عالميتين. الحروب ترسخ العقل والحكمة ليتحقق السلام من الرغبة المشتركة لإخماد حرائقها.

بيننا وبين نهاية الحرب العالمية الثانية 72 عاما وهي مدة تخللتها نزاعات وحروب إقليمية وحرب باردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي، لكنها عموما لم تتجاوز إلى مواجهة تؤدي إلى مأزق حرب كمأزق الحرب العالمية الثانية التي شواهدها وكثير من شخوصها مازالوا أحياء بيننا يذكروننا بنتائج أي حرب محتملة.

بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على قانون العقوبات ضد روسيا وإيران وكوريا الشمالية، قال رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف إن “هذه الإجراءات بمثابة حرب تجارية فعلية وشاملة على روسيا، وإن إدارة الرئيس دونالد ترامب أظهرت أنها عاجزة للغاية”.

يقصد بالعجز أن الرئيس الأميركي تخلى عن صلاحياته إلى الكونغرس، في إشارة إلى طابع العقوبات الذي صدر بشبه الإجماع بعد موافقة 419 من أعضاء مجلس النواب عليه مقابل اعتراض 3 نواب فقط، وعند إعادته إلى الكونغرس كانت نسبة التصويت 98 مؤيدا واعتراض 2 ورغم أن الرئيس دونالد ترامب يحتفظ بحق الفيتو لكنه وقع عليه لأنه ملزم إذا ما أراد تخفيف العقوبات بالحصول مجددا على موافقة مجلس النواب.

فقرتان رئيسيتان لأسباب فرض العقوبات على روسيا هي: ضم شبه جزيرة القرم والتدخل أو ملابسات القرصنة الإلكترونية الروسية في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة، رغم أنها اتهامات في طور تحقيقات واستجوابات مستمرة.

العقوبات حرصت أولا على تناول ما يعرف بالأمن السيبراني لعلاقته بتكنولوجيا الاتصالات والحد من استغلالها لأهداف الخرق الأمني والمعلوماتي الذي تحرص عليه الدول في تصميم أنظمتها الدفاعية وسرية بياناتها، وهو مجال نشط تتعاون فيه الدول وتبذل فيه الخبرات والموارد. الهجمات الإلكترونية خلال الشهور الأخيرة التي استهدفت المواقع الحيوية بالمطارات والمستشفيات والمصانع والمؤسسات الوطنية كان لها الأثر في تدعيم فرض عقوبات ورقابة على دول تطالها الاتهامات، ومنها روسيا، في مهمة طارئة تستدعي التركيز على أمن الفضاء الإلكتروني.

معظم العقوبات الأخرى لها صلة بالاقتصاد والمال وانتهاكات حقوق الإنسان وطرق الالتفاف على العقوبات السابقة ضدها بعد ضمها لشبه جزيرة القرم. الحرب التجارية التي تحدث عنها رئيس الوزراء الروسي هي حرب مستعرة بعدة حروب تنافسية في الأسواق والانتقال الحر للبضائع وهو ما أكدت عليه معاهدة التجارة الدولية، لكن هل يشمل ذلك انتقال الأسلحة والقوات العسكرية كما تفعل روسيا في سوريا وأيضا إيران مع جيش من المرتزقة الروس الذين يقاتلون مع قوات النظام الحاكم في سوريا كالميليشيات الإيرانية، وتحاول روسيا التخفيف من وقع المعلومات في الإعلام بالبراءة منهم عندما تصفهم بالمتطوعين وعدم علاقتها بهم.

هؤلاء المرتزقة يوفرون الحماية للقوات الروسية كما تفعل الميليشيات الإيرانية لتفادي أي مساءلة أمام القانون الدولي عن نتائج أفعالهم القتالية، وهم غالبا يحسمون المعارك لصالحهم لأنهم مجموعات قتالية إما عقائدية أو مدفوعة الثمن كما في المثال الروسي. الأمر ليس جديدا فروسيا اعتمدت عليهم في أوكرانيا وفي القرم أيضا، والمعلومات ليست وليدة الصدفة فالقتلى منهم تعاد جثثهم إلى ذويهم بالطائرات الروسية كما في حالة ذهابهم، والجرحى تعالجهم المستشفيات العسكرية الروسية وهم مجندون لدى شركات خاصة، لكن أن تقول روسيا إنها لا تعلم عنهم شيئا وهي بكل سطوة نظامها وقوتها فذلك مدعاة إلى قراءة أيّ نوعية حروب تجري في عالمنا.

الحروب التجارية هي حروب اقتصادية ومالية غايتها تصريف البضائع المختلفة حتى المعدات العسكرية والذخائر واللوجستيات وصناعة الأزمات، أسواق مفتوحة، وشعار “أميركا أولا” أو “أميركا بزنس” الذي رفعه المرشح الجمهوري دونالد ترامب أثناء حملته للوصول إلى البيت الأبيض في مفاجأة من الوزن الثقيل أقصت مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، وكما يبدو أن الديمقراطيين وماكنتهم الإعلامية لم يغادروا تلك اللحظة الصادمة ومازالوا يلاحقون حملة فوز ترامب بالتشكيك والرفض وعدم التسليم بالأمر الواقع.

الرئيس ترامب كملياردير شهير يخوض حروبه التجارية العالمية بطاقم يتضمن مليارديرا آخر وعددا من قادة الشركات الكبرى وأصحاب التجارب الاستخبارية في الأمن القومي للاقتصاد الأميركي، لم ينتظر طويلا للتخلص من التكتلات الاقتصادية واستبدالها بالاتفاقيات الثنائية، وأولها الانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر الباسفيك التي كانت بمثابة إنذار للسياسة الأميركية القادمة.

لقاء الرئيس الأميركي مع الرئيس الصيني شي جين بينغ كأول رئيس يزور الولايات المتحدة بعد تولي ترامب للسلطة دلالة على أن أميركا والصين لديهما الحس المشترك لكتابة العنوان العريض لغد التجارة واقتصاد العالم، وما يتبعه من سياسة وتفاعلات وصراعات تفرضها دوافع المنافسة والبحث عن أدوار تكون خارج النص الواسع للتجارة.

آخر ما أعلنه الرئيس الأميركي تعيين سيدة الأعمال جيني ماكورت سفيرة لأميركا في فرنسا وهي خريجة جامعة السوربون ومقاولة معروفة في تطوير المشاريع العقارية، بهكذا توجه ومع وجود شخصية ريكس تيلرسون كوزير للخارجية بتاريخه في إدارة واحدة من أكبر الشركات النفطية في العالم، ومن خلفهما أكثرية من رجال الأعمال من الحزب الجمهوري في الكونغرس والمجلس النيابي، تتضح الإجابة عن سبب وصف الرئيس ترامب بعض قرارات قانون العقوبات على روسيا بالمعيبة والتي قال عنها وزير خارجيته “نحن لسنا سعداء جدا”. وعللتها إدارة الرئيس ترامب وعلى لسانه بالحفاظ على وحدة الأمة الأميركية ولو على حساب الصلاحيات الرئاسية.

العقوبات على إيران أهم ما فيها أنها شملت أشخاصا وكيانات لها علاقة بصناعة وتطوير الصواريخ الباليستية كخطوة أولى لمراجعة شاملة للاتفاق النووي وبوادره في دعوة كل من أميركا وفرنسا وبريطانيا ومعها ألمانيا لمجلس الأمن لعقد جلسة للمداولة في خروقات إيران للاتفاق النووي بإطلاقها الصواريخ الباليستية، أي إن 4 من 6 دول وقعت على الاتفاق اهتزت لديها الثقة بجدوى الاتفاق، وإن إعادة النظر فيه أو إلغائه مسألة وقت.

إيران توعدت كعادتها برد مناسب وملائم للعقوبات لأن أميركا تخرق شروط الاتفاق النووي معها. ريكس تيلرسون أعاد تذكير روسيا بأن لا مستقبل لبشار لأسد في حكم سوريا ولا للوجود الإيراني فيها أو في المنطقة. هل تتأثر العلاقات الروسية الأميركية في تنسيقها للمواقف من الحرب على الإرهاب أو في الواقع السوري أو من المعاهدات الاستراتيجية؟ لن يحدث ذلك لكن إيران ستكون عقبة في التفاهمات مع روسيا لأنهما في محور واحد ومعهما كوريا الشمالية وبمسافة متفاوتة. كوريا الشمالية طالتها العقوبات كذلك ومعظمها عقوبات تجارية على الدول التي تتعاون معها ماليا أو استيرادا أو تصديرا.

الخلاصة أننا إذا جردنا العقوبات الأميركية من مبرراتها أو زوائدها كلغة مفروضة على الإدارة الأميركية من مجلسي النواب والشيوخ، وهي مفروضة أيضا على المجلسين لإعادة هيبة أميركا كدولة عظمى بعد فترتين رئاسيتين قادت العالم بسياسة التخلي والمراقبة عن بعد، فإننا بصدد سياسات بعيدة الأمد تحاول تثبيت قواعدها وذلك لن يستغرق طويلا لتكون واقعا ولا تستدعي حربا شاملة، إنما تستدعي حروبا استهلاكية وإنتاجية وتسويقية يكون حتى القادة التقليديون في خدمتها ومنهم المحاربون التجار حيث الصداقة والعداء لا ينحسران بالمصاهرة أو الطلاق، إنما بمفهوم الصفقة التجارية، ناجحة كانت أم فاشلة، أظنها قاعدة أميركية لنصف قرن قادم كالقاعدة الروسية في سوريا.

كاتب عراقي

8