العقوبات الأميركية ضد روسيا تفجر أزمة مع الحلفاء الأوروبيين

تضع العقوبات التي يعتزم الكونغرس الأميركي إقرارها ضد روسيا إدارة الرئيس دونالد ترامب في مواجهة أزمة سياسية مع حلفائه الأوروبيين والذين وجّهوا انتقادات شديدة اللهجة لواشنطن نتيجة الانعكاسات الوخيمة للقرار على مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية.
الجمعة 2017/07/28
المصالح الاقتصادية تحدد العلاقة بين الحليفين

بروكسل - تحوّلت أزمة العقوبات التي ينتظر أن يقرّها الكونغرس الأميركي ضد روسيا إلى ما يشبه كرة الثلج التي لا تتوقف تداعياتها عن التضخم بعد أن اتسعت محاورها لتتحوّل إلى أزمة ثلاثية الأبعاد بين واشنطن وموسكو والعواصم الأوروبية.

القرارات والإجراءات الأحادية التي يعمل مجلس الشيوخ الأميركي على تمريرها عمّقت من حدة الغضب الأوروبي نتيجة ما اعتبرته الدبلوماسية الأوروبية تجاوزا لمبدأ التنسيق والتشاور المشترك بشأن ملف العلاقات الغربية الروسية والتي تشهد تذبذبا واضحا منذ أزمة ضمّ القرم العام 2014، ما قد يمثّل ضربة قاصمة لوحدة الموقف الأميركي الأوروبي في التعامل مع روسيا.

وفيما أعلنت المفوّضية الأوروبية عن مخاوفها حيال “العواقب السياسية السلبية المحتملة” ومذكّرة بأهمية تنسيق سياسة العقوبات بين جميع بلدان مجموعة السبع تداعت ردود أفعال أبرز حلفاء واشنطن الأوروبيين الذين وجّهوا انتقادات شديدة اللهجة للإدارة الأميركية محذّرين من تأثير العقوبات على مصالحهم الاقتصادية وإمدادات الغاز الروسي.

وأشارت وزيرة الاقتصاد الألمانية بريجيته تسيبريز إلى أن العقوبات الجديدة التي اقترح المشرعون في الولايات المتحدة فرضها على روسيا قد تضر بالشركات الألمانية وتزيد من المشاكل التي تعكّر صفو العلاقات بين برلين وواشنطن.

وقالت الوزيرة لتلفزيون ايه.آر.دي “الولايات المتحدة تخلّت عن النهج المشترك الذي تتبناه مع أوروبا في عقوبات روسيا”، مضيفة أن عدم التنسيق مع أوروبا في هذا الشأن ينذر بتضرّر الشركات الألمانية.

وأبدى مفوّض الحكومة الألمانية للعلاقات الألمانية الروسية غرنوت إرلر مخاوفه من أن تتعرض واردات أوروبا للطاقة للتقليص جرّاء العقوبات الجديدة.

وقال اِرلر في تصريحات صحافية الخميس، “في الحقيقة يمكن أن يتعرض أي تعاون أوروبي روسي في توريد الطاقة للعقاب بما في ذلك أعمال الصيانة في خطوط الأنابيب التي يتوقف عليها إمداد الاتحاد الأوروبي بالطاقة”.

ومن المنتظر أن يبدأ ضخ الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب “نورد ستريم 2” من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق وذلك اعتبارا من عام 2019.

وانتقد إرلر موقف الحكومة الأميركية التي تولي تصدير موارد الطاقة الخاصة بها أولوية لخلق فرص عمل في أميركا ولتعزيز السياسة الخارجية للولايات المتحدة وقال “إن شعار ‘أمريكا أولا’ هذا ليس له أي علاقة في نظام المقاطعة الذي يولي أهمية خاصة للعوامل المشتركة مع الحلفاء الآخرين”.

العقوبات الأميركية تهدد بوضع قيود على أنشطة الشركات الأوروبية الناشطة في مجال الطاقة في روسيا

وفي السياق نفسه حذّر كبار رجال الأعمال الألمان من أن العقوبات الجديدة قد تمنع الشركات الألمانية من العمل في مشاريع خطوط أنابيب يقولون إنها “ضرورية لأمن الطاقة في ألمانيا”.

وناشد اتحاد الشركات الألمانية الاتحاد الأوروبي باتخاذ أيّ تدابير ممكنة ضد هذه العقوبات المحتملة.

وقالت لجنة الاتحاد المعنية بالتعامل مع شركات شرق أوروبا إن العقوبات الجديدة ربما أثّرت سلبا أيضا على الاقتصاد الأوروبي.

وحذّرت اللجنة من أن القانون الجديد يقترح عقوبات ضد شركات تشارك في صيانة خطوط روسية لتصدير النفط وتطويرها وتوسيعها، ما قد يعني تسليط عقوبات على البعض من المؤسسات والاستثمارات الألمانية في مجال الطاقة بروسيا.

واعتبر رئيس اللجنة، فولفجانغ بوشيله أن هذه الإجراءات الأميركية “مدفوعة بمصالح اقتصادية أميركية”، مشددا على ضرورة معارضة الاتحاد الأوروبي هذه الإجراءات بشكل حازم وذلك لمنع تضرر شركات أوروبية بهذه العقوبات الأميركية.

وقال بوشيله إنه إذا لم تكن هناك ضمانات تمنع تضرر شركات أوروبية جراء هذه العقوبات فعلى الاتحاد الأوروبي اتخاذ ما يلزم من التدابير المضادة.

وحسب اللجنة فإن هذه العقوبات المنتظرة لن تطال فقط إنشاء خطوط نفط جديدة بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي بل ستصعّب صيانة الخطوط الحالية.

ورأت اللجنة أنّ ذلك يعني بالنسبة إلى أوروبا ارتفاعا في أسعار الطاقة وتنامي القلق بشأن واردات الطاقة.

وأكدت اللجنة أنّ من بين أهداف العقوبات الأميركية هو دعم صناعة الغاز الصخري الأميركية على حساب المنافس الأوروبي.

ويتيح مشروع القانون الأميركي إمكانية فرض عقوبات على الشركات العاملة على خطوط غاز من روسيا، من خلال الحدّ مثلا من إمكانية وصولها إلى المصارف الأميركية أو استبعادها من الأسواق العامة في الولايات المتحدة.

يمكن لمثل هذا الإجراء الأميركي أن يفرض عقوبات على مجموعات أوروبية شريكة في مشروع أنابيب الغاز “نورد ستريم 2” الذي يفترض أن يسرّع وصول الغاز الروسي إلى ألمانيا اعتبارا من 2019.

ويقضي الاتفاق السابق بين واشنطن وبروكسل بعدم انعكاس أيّ عقوبات على روسيا على إمدادات الغاز في أوروبا.

ووجّه رئيس مجلس إدارة شركة “فينترشال” الألمانية للطاقة، ماريو مهرين انتقادات حادة للقرار مؤكدا أنّ “العقوبات يجب عدم استخدامها كعنصر يهدف إلى خدمة المصالح الخاصة، لبيع الغاز المسال الأميركي على سبيل المثال”.

ويرجّح مراقبون تصاعد التوتر في العلاقات الأوروبية الأميركية مع توسّع دائرة التنديد بالإجراءات الجديدة، فيما لا يستبعد لجوء دول الاتحاد إلى إجراءات مماثلة للتضييق على مصالح الشركات الأميركية.

ولوّح رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر باتخاذ إجراءات سريعة ردا على موقف واشنطن.

وأوضح يونكر أنّ “المفوضية الأوروبية خلصت اليوم إلى أنه في حال عدم الأخذ بمخاوفها بالشكل الكافي، فهي مستعدة للتصرّف بالصورة الملائمة في غضون أيام”.

5