العقوبات البدنية وسيلة مباحة للتربية في أغلب العائلات التونسية

يونسيف: غالبية الأطفال التونسيين يتعرضون للعنف وللعقوبات البدنية كوسيلة مباحة للتربية في جل الأسر التونسية.
الاثنين 2019/10/21
الأسرة ليست آمنة للكثير من الأطفال

رغم موجات الغضب التي تثيرها صور الاعتداءات على الأطفال التي تتداولها شبكات التواصل الاجتماعي بشكل شبه يومي ورغم تشدق المسؤولين بالقوانين والاتفاقيات الدولية التي تسعى لحماية الأطفال، إلا أن الانتهاكات التي يتعرضون لها يوميا حتى من قبل عائلاتهم تكشف حجم العجز عن توفير الحلول الكفيلة بحمايتهم في تونس.

تونس - يبدو الحديث عن العنف ضد الأطفال موضوعا مكررا حيث يتم تداوله بكثرة إلا أن الحوادث والتهديدات التي يتعرضون لها، لا فقط خارج أسوار الأسر التونسية، بل ما يثير الفزع ما يتعرضون له من عنف داخل أكثر مكان يفترض أن يوفر الأمان والحماية لهم، يجعل الحديث عن هذا الموضوع دائما متجددا.

وهزت الصور التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا لطفل مقيد القدمين بالفناء الخلفي لمنزل عائلته وممسكا بالأرض للحفاظ على توازنه، الرأي العام التونسي والدولي. وتشير الكثير من الدلائل إلى أن هذه الحالة لا يمكن الحديث عنها كحالة منفردة، نظرا لاستخدام العقوبات البدنية كوسيلة مباحة للتربية في جل الأسر التونسية.

وأكدت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن في بلاغ يوم الأحد 13 أكتوبر 2019، تنقل مندوب حماية الطفولة المختص ترابيا بالتنسيق مع المصالح الأمنية واتخاذ الإجراءات الحمائية للطفل والتي تبين من خلال التحريات الأولية تعمد والده الوسيلة العقابية المشار إليها أعلاه بسبب مغادرته المنزل دون إذن والديه.

وذكرت الوزارة بأنه واجب على كل مواطن إشعار مندوبي حماية الطفولة حسب الاختصاص الترابي بكل ما من شأنه أن يهدد السلامة المعنوية أو البدنية للأطفال.

وعبرت منظمة الطفولة العالمية “يونيسيف” عن فزعها واستيائها الشديد من مشاهد العنف ضد الأطفال داخل الأسر التونسية بعد تداول مواقع التواصل الاجتماعي لصور المعنّف بشكل واسع في تونس.

وقالت “ترتكز تربية الأطفال وتعليمهم على الحنان وليس العنف”، مضيفة أن العنف غير مقبول بأي شكل من الأشكال، لا شيء يبرر استخدام العنف بشكل عام بما في ذلك ضد الأطفال.

17 ألف إشعار بحالات تعرض الأطفال للعنف
17 ألف إشعار بحالات تعرض الأطفال للعنف

وأضافت “تعوّل يونيسيف على الجهات الرسمية لأخذ الاجراءات الحازمة ضد من ظهر في هذا الفيديو وتطالب بتوفير الدعم والحماية اللازمين لكل طفل وخاصة للأطفال المعرضين للعنف”.وأفادت “يونيسيف” في بلاغ لها على موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت أن أكثر من 80 بالمئة من الأطفال في تونس يتعرضون للعنف داخل أسرهم.

وشدد مختصون على ضرورة تفعيل القوانين لحماية الطفل، متسائلين عن مدى نجاعة كثرتها دون تطبيق فاعل لها في ظل تنامي هذه الاعتداءات والتهديدات التي تستهدف الأطفال داخل أسرهم وخارجها.

وسنة 2010، أثار مشروع قانون أقرته الحكومة وأحالته على البرلمان ليناقشه ويصادق عليه قبل إدخاله حيّز التطبيق يقضي بالسّجن 15 يوما نافذة مع غرامة مالية، لكلّ وليّ تونسي يعنف ابنه ماديا، جدلا واسعا في تونس.

ويهدف مشروع القانون إلى إلغاء العذر القانوني للأشخاص الذين لديهم سلطة أدبية على الطفل في استعمال العنف البدني كوسيلة للتّأديب، وتتوافق أحكامه مع ما توصلت إليه التربية الحديثة من انعكاسات سلبية لاستعمال العنف البدني ولو كان خفيفا على نفسية الطفل وعلى سلامة نموه العقلي والجسدي.

88.1 بالمئة من الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين سنة و14 سنة تعرضوا إلى تأديب عنيف

واستندت الحكومة في ذلك إلى المادة 19 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل التي نصّت على حماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية، وهي الاتفاقية التي صادقت عليها تونس عام 1991.

واعتبر المرحّبون بمشروع القانون أنه مكسب جديد يضاف إلى ترسانة القوانين الهادفة إلى حماية الطفل التونسي من العنف وكل أشكال الاعتداء، في حين أن الذين استنكروه لم يستوعبوا تفاصيله وظنوا أن تأديب الأبناء باستعمال الضرب الخفيف يؤدي إلى سجن الأبوين وهو ما يعني التهديد بتفكك الأسر وتمرد الأبناء.

وكشف استطلاع رأي أنجزته صحيفة الشروق حول مشروع القانون آنذاك تباين آراء أولياء الأمور، فمنهم من أعرب عن تفاجئه بهذا المشروع، في حين اعتبره البعض الآخر تقليدا للغرب، وأكد البعض الآخر على حق الطفل في التربية والمعاملة الحسنة بعيدا عن العنف. ولاقى مشروع القانون معارضة قد يكون مؤداها عدم فهم القانون أو الاطلاع على كامل تفاصيله.

وأكد البعض ممن استُطلعت آراؤهم أن الضرب الشديد غير مقبول شرعا وأخلاقا، وفي مقابل ذلك عبروا عن عدم قبولهم بأن يتم سجن الوالدين لأنهما يرغبان في تربية أطفالهما بالطرق المتعارف عليها ومن بينها العنف المادي. واتفق أغلب المستجوبين المعارضين لهذا القانون على أن اعتماد الضرب الخفيف لتربية وتأديب الأبناء محبّذ لكنه يصبح غير مقبول إذا تحول إلى عنف شديد، كما اتفقوا على أنهم سيواصلون تربية أبنائهم بالطريقة التي يرونها صالحة.

العنف المسكوت عنه
العنف المسكوت عنه 

أما بالنسبة إلى الفئة المستجوبة والتي عبرت عن تأييدها لهذا القانون فقد أكدت على أهميته، لحماية الأطفال وتجنيبهم الاعتداءات التي عانوا منها كثيرا وهي بالأساس نتيجة قلة وعي المربي سواء كان الأب أو الأم بدرجة أولى أو حتى المدرس والمربي بدرجة ثانية.

وقال مختصون إن مشروع القانون جاء بالنظر إلى عدم نجاعة التأديب الذي يتخذ شكل العنف البدني المسلط على الطفل وتداعياته السلبية على نموه وبقائه.

ورأى مراهقون أن هذا القانون جيد وقد يحمي الكثير من الأطفال من عنف آبائهم الذي طالما يشتكون منه، حيث أنهم يتعرضون إلى مظالم وتسلط عليهم عقوبات جسدية لأسباب تافهة.

وأضافوا أنه في حال تم تطبيق هذا القانون فإن الآباء سيجدون طرقا أخرى لمعاقبة أبنائهم، فستعوض الصفعة الخفيفة بحرمان من المصروف اليومي أو أن يصدر في حق الابن قرار بعدم مغادرة المنزل لأسبوع أو أكثر مع منعه من استخدام أي وسيلة للترفيه.

وأوضح حقوقيون أنهم يواجهون عدة عراقيل خاصة مندوبو الطفولة لتفعيل الآليات المتوفرة سواء بمجلة حماية الطفل أو بقية القوانين لضمان حماية حقيقية للطفل ضحية أي نوع من أنواع العنف وخاصة العنف الجنسي. هذا العنف الذي ما زال مسكوتا عنه في العديد من المجتمعات منها تونس.

وقالت المحامية بشرى بالحاج حميدة إن تطبيق الحماية مطلوب وضروري لوضع حماية خصوصية، ويبدو أن هذا المشروع يتضمن آليات خصوصية صحية واجتماعية وإجراءات قضائية خصوصية في مراحل البحث والمحاكمة منها ما يتعلق بسماع الطفل. وهو إجراء لو توفرت فيه كل الشروط المعترف بها دوليا من شأنه أن يساهم فعلا في ضمان محاكمة مرتكبي هذه الجرائم الشنيعة.

وبعد 9 سنوات على المصادقة على هذا القانون، يبقى حبيس مجلة حماية حقوق الطفل نظرا إلى أنه لم يتم تفعيله مطلقا وظل مغيبا تماما. وتثبت جميع المؤشرات أن الطفل في تونس يشهد انتهاكات أكبر في السنوات الأخيرة بسبب ما يتعرض إليه الآباء والأمهات من ضغوطات تدفعهم إلى ممارسة العنف المادي ضد أبنائهم لأبسط الأسباب.

ومؤخرا، صرحت نزيهة العبيدي، وزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن، أنه خلال سنة 2019 تم تسجيل نحو 17 ألف إشعار تتعلق بحالات تعرض الأطفال للعنف لاسيما في الوسط العائلي مقابل 5 آلاف إشعار في سنة 2015. وصرحت على هامش الاجتماع التحضيري الأول للمؤتمر الدولي رفيع المستوى “تونس 2020: طفولة دون عقاب بدني”، بأن ارتفاع عدد الإشعارات يعكس تنامي الوعي لدى المواطنين بضرورة إدانة مرتكبي العنف ضد الأطفال حتى تتم محاكمتهم على جرائمهم، وذلك في تصريح إعلامي. وأشارت الوزيرة إلى أن “فضح المذنبين هو آلية هامة لمقاومة العنف وحماية حق الأطفال في حياة كريمة”، مضيفة أن الوزارة تقوم أيضا بمرافقة الأطفال ضحايا العنف أو المعرّضين للخطر.

وحسب المسح العنقودي متعدد المؤشرات لسنتي 2018 و2019 تعرض 88.1 بالمئة من الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين سنة واحدة و14 سنة إلى طريقة تأديب عنيفة فيما تعرض 48.9 بالمئة منهم إلى عقوبات جسدية.

يشار إلى أن تونس أودعت يوم 15 أكتوبر الجاري وثيقة انضمامها إلى اتفاقية مجلس أوروبا لحماية الأطفال ضد الاستغلال والتجاوزات الجنسية، لتصبح بذلك أول بلد عربي ومسلم يمضي على هذه الاتفاقية التي تهدف إلى حماية حقوق الأطفال.

لا شيء يبرر استخدام العنف
لا شيء يبرر استخدام العنف 

 

21