العقوبات الدولية عاجزة عن كبح طموحات بيونغ يانغ

الأربعاء 2017/09/06
قراءة خاطئة لحقيقة "الفتى الطائش"

واشنطن - منذ أن أعلن التلفزيون الرسمي لكوريا الشمالية خبر إجرائها أقوى تجربة نووية قامت بها حتى الآن، وأنها اختبرت "بنجاح تام" قنبلة هيدروجينية يمكن وضعها على صواريخ بعيدة المدى، انفجرت ردود الأفعال في المجتمع الدولي بأسره، وعلت أصوات الرفض والإدانة في المجتمع الدولي، دون أن تتجاوز سقف طلب فرض عقوبات جديدة على بونغ يانغ، التي لا تزيدها العقوبات إلا تمسكا ببرنامجها النووي.

وحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من “كارثة عالمية” في حال عدم التوصل إلى تسوية دبلوماسية للأزمة مع كوريا الشمالية، وأكد أنه يرفض المطالب الأميركية بفرض عقوبات جديدة ضد بيونغ يانغ لأنه سيكون "غير مفيد وغير فعال".

ويوافق مراقبون رأي الرئيس الروسي مشيرين إلى أن العقوبات الدولية عاجزة عن كبح طموحات كوريا الشمالية التي ردت على التحذيرات الأميركية بأنها وجهت “هدية” للولايات المتحدة وأن “المزيد في الطريق”، في نبرة ليست جديدة على رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون، الذي تمادى في طموحه ووصل إلى حد تطوير قنبلة هيدروجينية قوتها التدميرية تصل إلى قوة القنبلة النووية التي أُلقيت على هيروشيما باليابان.

وسجل التاريخ ذلك الهجوم (6 أغسطس 1945) لا فقط باعتباره أول نووي يشهده العالم، بل أيضا باعتبار ما خلفه من آثار تفوق بشاعتها مخيلة البشر، ولا تزال تلك المأساة ماثلة في الأذهان في ظل التساؤلات حول مدى وحشية الحروب وكيفية تجنب تكرار تلك الجريمة وتجنب التهديد النووي ومنع تطوير أسلحة الدمار الشامل.

واهتز العالم، مستحضرا ذلك التاريخ النووي، على زلزال مغامرة جديدة لبيونغ يانغ التي أطلقت، مؤخرا، صاروخا باليستيا جديدا، فوق جزيرة هوكايدو اليابانية (شمال)، قبل أن ينشطر إلى 3 أجزاء، ويسقط في المحيط الهادئ على بعد نحو 1000 كيلومتر من اليابسة.

وتنفذ كوريا الشمالية برامجها النووية والصاروخية في تحد لقرارات وعقوبات مجلس الأمن الدولي الذي فرض أول عقوبات على بيونغ يانغ في 2006، وعزز تلك العقوبات لاحقا ردا على تجاربها النووية التي أجرتها، فضلا عن قيامها بتجارب إطلاق صواريخ باليستية تكثفت في الفترات الأخيرة. وفي 2016 فرض قرار مجلس الأمن رقم 2321، قيودا مشددة على صادرات بيونغ يانغ من الفحم، بقصد تجفيف المصادر الأساسية لعائداتها من العملة الصعبة.

أفضل طريقة لتعامل الغرب مع كيم جونغ أون تقضي باعتباره مديرا تنفيذيا لشركة اسمها كوريا الشمالية

لكن، يسجل المراقبون أنه بقدر ما تشتد العقوبات يزداد تهديد كوريا النووي. وتسعى كوريا الشمالية في ظل زعيمها كيم جونغ أون إلى صنع قنبلة نووية صغيرة وخفيفة بما يكفي لوضعها على صاروخ باليستي بعيد المدى دون أن يؤثر ذلك على مداه وجعله قادرا على تحمل إعادة دخول الغلاف الجوي للأرض.

وفي ظل التوترات الحالية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، ولهجة التصعيد والتصعيد المقابل واحتمالية قرب نشوب صراع مسلح بين الدولتين، يطفو إلى السطح سؤال هام يتعلق بإمكانية نشوب حرب بين الولايات المتحدة الأميركية (وحلفائها) من جهة وكوريا الشمالية من جهة أخرى.

رغم خطورة التطور الأخير، إلا أن الخبراء لا يتوقعون أن يتطور الأمر إلى توجيه ضربة إلى كوريا الشمالية، ويقول فان جاكسون في بحثه “الأسطورة الكبرى حول كوريا الشمالية” إن الصراعات لن تتصاعد إلى حرب شاملة، حتى لو رد التحالف على عنف كوريا الشمالية بهجوم مضاد محدود.

ويرجح مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة، إلى جانب التقدم بطلب لمجلس الأمن لتوجيه المزيد من العقوبات على بيونغ يانغ، هو استغلال الأزمة لتمرير صفقة سلاح جديدة، وهو ما تم فعلا خلال اليومين الماضيين، حيث أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدة أنه يجيز لليابان وكوريا الجنوبية شراء أسلحة أميركية “فائقة التطور” وذلك في إطار من التوتر المتزايد مع كوريا الشمالية التي أجرت سادس تجربة نووية الأحد.

وقال البيت الأبيض إن “الرئيس ترامب أعطى موافقته المبدئية على شراء كوريا الجنوبية من الولايات المتحدة معدات عسكرية وأسلحة بعدة مليارات من الدولارات”. وبين 2010 و2016 اشترت سيول ما قيمته نحو خمسة مليارات دولار من العتاد العسكري من واشنطن، بحسب معهد بحوث السلام الدولي بستوكهولم.

واستبعدت مجلة فورين بوليسي فكرة المواجهة المباشرة، مشيرة إلى أنه بإمكان الولايات المتحدة مواجهة تهديدات بيونغ يانغ وتشجيع الصين على إجبار كوريا الشمالية على العودة إلى محادثات نزع السلاح النووي في حال زادت واشنطن من تعاونها الثلاثي مع اليابان وكوريا الجنوبية.

في المقابل، حذر أستاذ العلاقات الدولية والتجارة لدى جامعة جنوب كاليفورنيا، ديفيد كانغ، من الاستخفاف بالرئيس كيم جونغ أون، والنظر إليه باعتباره “فتى طائشا” و”دكتاتورا” سينهار نظامه في الأخير كما انهار نظراؤه.

ويوضح ديفيد كانغ في تحليل نشرته مجلة فورين افيرز أن الغرب غالبا ما يستخف بزعيم كوريا الشمالية ويسخر منه، حتى أن السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نيكي هالي، تساءلت علنا عما إذا كان “جونغ أون معتوها”. لكن التعامل مع زعيم كوريا الشمالية بمثل هذه الطريقة يعني عدم تقدير الخطر الذي يمثله وخاصة مع تصاعد التوترات في الوقت الحالي بين واشنطن وبيونغ يانغ.

ويرى كانغ أن أفضل طريقة للتعامل مع جونغ أون تقضي باعتباره مديرا تنفيذيا لشركة اسمها كوريا الشمالية. ومن شأن ذلك أن يسمح لمراقبين بتجاوز مناقشات بشأن “صحته العقلية” والتركيز عليه كدكتاتور، ودراسة مؤهلاته كزعيم.

وتسير رؤية كيم لكوريا الشمالية وفق خطة باي يونجين التي تبنتها سنة 2013 اللجنة المركزية لحزب العمال الكوري، والتي تدعو إلى تنفيذ تطوير متزامن بين اقتصاد كوريا الشمالية وأسلحتها النووية. وبحسب كانغ، لا تعني هذه الخطة أن كيم استهل عملية إصلاحات اقتصادية شاملة، بل تعني أنه ربط شرعيته بقدرته على تحقيق وعده بتطوير اقتصادي والمضي قدما في تصنيع أسلحة نووية. ويبدو أن كوريا الشمالية تسير، تحت قيادته، نحو تحقيق الهدفين.

ونتيجة لذلك، فإن التعامل مع كوريا الشمالية وزعيمها باستخفاف وسخرية لن ينفع الغرب، ولن يقلل من الخطر الذي تمثله أسلحة كوريا الشمالية النووية وصواريخها الباليستية، بل سيزيد من رغبة كيم جونغ أون في التبجح بتجاربه النووية.

ويشير جيمس بيرسون، الخبير في شؤون كوريا الشمالية في مركز وودرو ولسون الدولي بواشنطن، إلى أن الاستفزاز وسيلة فعالة لجذب انتباه واشنطن، والتفوق عليها في أحيان كثيرة. من هنا يخلص بيرسون إلى أن بيونغ يانغ درست سلوك الأميركيين تجاه أفعالها، وأيقنت أنّ استفزازاتها غالبا ما تؤدي إلى خضوع الولايات المتحدة.

ويوافق الكاتب الأميركي زيشان عليم ديفيد كانغ في طريقة التعامل مع الزعيم الكوري الشمالي مشيرا في تقرير نشرته مجلة فوكس الأميركية، إلى أن الافتراض الرائج لدى الغرب بأنّ كوريا الشمالية يديرها شخص معتوه هو افتراض ليس خاطئا فقط، وإنّما يحمل الكثير من المخاطرة.

وينبه عليم إلى أن عجرفة كوريا الشمالية لا علاقة لها بالجنون، وإنّما تصرفات متعمدة مبنية على إدراك شديد لرد الفعل العالمي. وهي في ذلك تسعى إلى أن تبدو قوية أمام شعبها وتصدير فكرة إلى العالم مفادها أنّ شنّ حرب على بيونغ يانغ مخاطرة عظيمة.

6