العقوبات الغربية تقف بوجه محاولات إعادة إعمار سوريا

حظر التعاملات المالية والتجارية يمنع تحريك المشاريع، والشركات الأجنبية تخشى التعرض للعقوبات الأميركية.
الاثنين 2018/09/03
غنائم الحرب القاسية

بيروت – تواجه محاولات الرئيس السوري بشار الأسد ترجمة المكاسب العسكرية التي حققها إلى حركة لإعادة الإعمار، عقبات كبرى تتمثل بشكل رئيسي في العقوبات الغربية، التي تبعد الشركات الأجنبية عن الاقتراب من تلك المغامرة.

وتحتاج البلاد إلى كل شيء تقريبا بعد الدمار الهائل ونزوح ملايين العمال من البلاد أو تجنيدهم أو وقوعهم ضحايا في الحرب المستمرة منذ أكثر من 7 سنوات. وتقدر إحدى وكالات الأمم المتحدة كلفة الحرب بنحو 388 مليار دولار.

ولا تزال إعادة الإعمار تبدو بعيدة، رغم أن حليفتي الأسد، روسيا وإيران، وكذلك الصين ضخوا بعض الاستثمارات، لكنهم ليس بوسعهم تحمل كلفة إعادة البناء ويريدون أن تشترك دول أخرى في تحمل ذلك العبء.

وتقول دول غربية إنها لن توافق على تمويل إعادة إعمار سوريا أو على رفع العقوبات دون تسوية سياسية، في وقت تجعل فيه العقوبات عمل الشركات الأجنبية في سوريا أمرا في غاية الصعوبة.

مأمون حمدان: العقوبات الغربية غير عادلة لأنها تؤثر على الأفراد السوريين العاديين
مأمون حمدان: العقوبات الغربية غير عادلة لأنها تؤثر على الأفراد السوريين العاديين

ورغم أن بعض الشركات تمكنت من العمل في سوريا، لكن اتساع مجال العقوبات وقدرة الولايات المتحدة على فرضها، يعني أن الشركات تواجه خطر مخالفتها دون قصد، وهو ما يجعل معظم الشركات الغربية تنأى بنفسها عن سوريا.

وشاركت شركة أوستندورف كونستستوفه الألمانية لتصنيع الأنابيب، التي تأمل أن يكون لها نصيب من الأعمال في سوريا مستقبلا، مؤخرا في معرض دولي في دمشق وقالت إنها تعمل على إقامة علاقات مع الزبائن المحتملين.

لكن الشركة لم تبرم أي عقود بحسب نبيل مغربي ممثلها في بيروت، الذي قال لوكالة رويترز إن الشركة تنتظر اتضاح الوضع السياسي.

وأضاف “نواجه عقبات. لا يوجد أي شحن مباشر من ألمانيا إلى سوريا. وهناك بنوك سورية لا يمكنها أن تستقبل أي أموال من أوروبا وشركات أوروبية تخشى أن تستقبل أي أموال أخرى من سوريا”.

وترجع العقوبات الأميركية السارية على سوريا إلى ما قبل الأزمة لكن نطاقها اتسع بعد اندلاع الحرب في عام 2011 ثم اتسعت مرات عديدة في السنوات اللاحقة.

وجمدت العقوبات أصول الدولة السورية ومئات الشركات والأفراد بما في ذلك شخصيات في الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية، المتهمة بالتورط في تصنيع الأسلحة الكيماوية أو استخدامها.

وتمنع العقوبات أي شخص أميركي من ترتيب صادرات ومبيعات وتقديم خدمات لسوريا كما تمنع أي استثمارات جديدة فيها. وتحظر أيضا تعامل أي أفراد أميركيين في منتجات النفط والغاز السورية أو استيرادها إلى الولايات المتحدة. ولا يمكن للأفراد الأميركيين أيضا تمويل أو تسهيل أي صفقات من هذا النوع يبرمها أجانب.

أما الاتحاد الأوروبي فقد فرض عقوباته في مايو 2011 ردا على “القمع الوحشي وانتهاك حقوق الإنسان” في سوريا وتم تحديثها عدة مرات منذ ذلك الحين.

وتكمن المشكلة في النطاق الواسع للعقوبات، التي تشمل تجميد أصول وحظر سفر شخصيات وقيودا تجارية وعقوبات مالية، إضافة إلى حظر صادرات السلاح والمواد التي يمكن استخدامها في أغراض عسكرية أو في القمع.

كما تحظر العقوبات الأوروبية التجارة في السلع الفاخرة والأحجار الكريمة والمعادن النفيسة وكذلك المعدات أو التكنولوجيا المستخدمة في بعض قطاعات النفط والغاز بما في ذلك التنقيب والإنتاج والتكرير وتسييل الغاز.

وتستهدف العقوبات الأوروبية أيضا شبكة الكهرباء السورية. فهي تمنع شركات الاتحاد الأوروبي من بناء محطات الكهرباء أو توريد التوربينات أو تمويل مثل تلك المشروعات.

ولكن العقوبات الأميركية والأوروبية تستثني الإمدادات الإنسانية والمواد التي تحتاج إليها بعثات الأمم المتحدة في سوريا. وتسمح للشركات بتنفيذ الأعمال في قطاعات الطاقة والكهرباء التي تشملها التعاقدات الموقعة قبل فرض العقوبات.

وقالت آنا برادشو الشريكة في شركة بيترز أند بيترز للاستشارات القانونية في لندن والتي تقدم المشورة بشأن العقوبات إن اللوائح الأميركية تمثل خطرا أكبر على الشركات العاملة في سوريا من اللوائح الأوروبية.

ودأبت واشنطن على تتبع انتهاك العقوبات أكثر من الاتحاد الأوروبي، الذي قد تعرقل تنفيذ العقوبات فيه خلافات بين دوله الأعضاء على تفسير اللوائح والعقوبات.

وتمتد العقوبات الأميركية إلى مدى أبعد، إضافة إلى أنها أوسع نطاقا، إذ أن ولاية القانون الأميركي تسري على أنشطة “الأشخاص الأميركيين” في مختلف أنحاء العالم.

أوستندورف كونستستوفه: لا توجد خطوط شحن وحركة الأموال محظورة مع البنوك السورية
أوستندورف كونستستوفه: لا توجد خطوط شحن وحركة الأموال محظورة مع البنوك السورية

ويشمل المصطلح المواطنين الأميركيين والشركات الأميركية على السواء وكذلك أصحاب الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة والفروع الخارجية للشركات الأميركية بمقتضى بعض برامج العقوبات والتي لا تشمل في الوقت الحالي سوريا.

وفي أبريل الماضي اعتقلت السلطات الأميركية بلجيكيا يعمل لحساب مكتب شركة أميركية في بلجيكا في قضية ترتبط بالعقوبات السورية، صدرت فيها أحكام بالسجن على ثلاثة أميركيين في ديسمبر الماضي.

ولا تستهدف واشنطن مخالفي العقوبات فحسب، فمن الممكن أن تدرج في قوائمها السوداء شركات أجنبية أو أفرادا أجانب ممن يساعدون في الالتفاف على العقوبات وتمنعهم من التعامل في أغلب الأنشطة مع الأميركيين.

وتجازف الشركات غير الأميركية بمواجهة مشاكل إذا كانت أي صفقة تشمل في جانب منها أميركيين أو شركات أميركية. وقالت برادشو “إذا فعلت شيئا يجعل شخصا آخر من الخاضعين للاختصاص القانوني الأميركي ينتهك العقوبات فقد وقعت في المحظور”.

بل إن الشركات الحريصة قد تخالف تجميد الأصول دون قصد من خلال التعامل مع فرد أو كيان مدرج على قوائم العقوبات في مناخ الأعمال الذي لا يتسم بالشفافية في سوريا.

وقالت برادشو إن هذا الخطر ازداد مع سعي الرئيس السوري لتدعيم سيطرته. وأضافت “الأفراد الذين سيقودون جهود إعادة الإعمار وأولئك الذين يتولون المسؤولية سيكونون على الأرجح نفس الأشخاص الذين تستهدفهم العقوبات المالية”.

وتابعت “كلما أمكنك إظهار أن ما اتخذته من تدابير احترازية معقول زادت فرصتك في إقناع السلطات بأنه لا يوجد ما يوجب ملاحقتك”. وحذرت من أنه قد لا يكون من الممكن دائما تحديد أن طرفا آخر يخضع للعقوبات.

وكانت رويترز قد نسبت إلى وزير المالية السوري مأمون حمدان قوله إن العقوبات غير عادلة لأنها تؤثر على الأفراد العاديين مثلما تؤثر على الحكومة والجيش.

وقالت إليزابيث هوف ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا إن العقوبات كان لها تأثير سلبي على قطاع الرعاية الصحية في سوريا رغم الإعفاءات الإنسانية.

وأوضحت أن العقوبات أثرت على شراء البعض من الأدوية وذلك من خلال حظر التعاملات مع البنوك الأجنبية ومنع كثير من شركات الأدوية العالمية من التعامل مع سوريا بشكل نهائي.

10