العلاجات الاقتصادية المؤجلة تحاصر الجزائر

أكد خبراء أنه لم يعد بإمكان الجزائر تأجيل العلاجات الاقتصادية القاسية، وأنها أصبحت مضطرة إلى تناولها دفعة واحدة بعد أن أطلق صندوق النقد الدولي صفارات الإنذار بضرورة ضبط المؤشرات الاقتصادية وخفض قيمة الدينار للنزول إلى قاع الأزمة.
الجمعة 2018/03/16
هزات متتالية تفقد العملة المحلية قيمتها

الجزائر – تقف الجزائر أمام خيارات اقتصادية قاسية بعد أن أثارت بعثة صندوق النقد الدولي التي اختتمت زيارتها للبلاد هذا الأسبوع الكثير من المخاوف بشأن قسوة العلاجات التي ينبغي على الجزائر تناولها.

ويقول رئيس جمعية الجزائر استشارات للتصدير إسماعيل لالماس إن انتقادات الصندوق جاءت دليلا على تخبط الحكومة في مواجهة تبعات الأزمة النفطية التي عصفت باقتصاد البلاد.

ويتفق الخبير فرحات آيت علي مع ما ذهب إليه لالماس وقال إن “التوصيات لم تأت بجديد لحل الأزمة الجزائرية، مقارنة بما اقترح عامي 2016 و2017، وكانت عموما غير مقبولة واقتصرت على شيء إضافي وحيد وهو ما تعلق بتحذيرات طباعة النقد لسد العجز”.

ووجهت بعثة النقد الدولي الاثنين الماضي إلى الجزائر انتقادات للحكومة، بشأن الإجراءات المتخذة لمواجهة تبعات الأزمة النفطية.

ويضغط خبراء الصندوق لدفع الحكومة بقيادة أحمد أويحيى إلى تنفيذ خفض تدريجي في سعر الصرف، كإحدى أدوات تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والمالي وبذل جهود للقضاء على سوق الصرف الموازية.

وشدد لالماس على أن هذا الخيار لا يعتبر حلا على الإطلاق لأن الدينار لا يخضع لمعايير اقتصادية واضحة وأن تسيير سعر الصرف يتم بقرارات سياسية وإدارية.

وقال إنه “لا يمكن الحديث عن تعويم الدينار بهذه الطريقة لأنه سيزيد من فقدان ثقة الجزائريين ويدفعهم إلى البحث عن ملاذات آمنة لأموالهم كالعقارات والعملات الأجنبية”.

وتعرضت العملة المحلية إلى هزات متتالية في السنوات الأخيرة أفقدتها قيمتها، وكانت آخر هزة الأسبوع الماضي حينما تراجع الدينار أمام اليورو بشكل غير مسبوق.

وتشهد الجزائر منذ قرابة أربع سنوات أزمة مالية ناتجة عن هبوط أسعار النفط الخام بنسبة بلغت 50 بالمئة في المتوسط، إذ يعد الخام مصدر الدخل شبه الوحيد للبلاد.

ويصف آيت علي مقترح الصندوق التعويم الجزئي للعملة المحلية بـ“الغريب”، حيث يمكن أن تصل تداعياته إذا تم تنفيذه إلى تفجر الاحتجاجات في البلاد.

وبرر ذلك من منطلق أن تعويم الدينار تدريجيا سيصل بقيمته إلى أسعار الصرف المتداولة في السوق السوداء، وهذا إجراء سيكون له تأثير على الأصول الموجودة في البلاد في غياب استراتيجية إعادة توزيع المداخيل.

ويتفق كمال رزيق، المحلل وأستاذ الاقتصاد بجامعة البليدة الحكومية، مع رأي سابقه بشأن التعويم التدريجي للعملة المحلية.

فرحات آيت علي: تعويم الدينار سيدفع معظم الجزائريين إلى البحث عن ملاذات آمنة لأموالهم
فرحات آيت علي: تعويم الدينار سيدفع معظم الجزائريين إلى البحث عن ملاذات آمنة لأموالهم

ويقول إن تعويم العملة المحلية المنخفضة قيمتها أصلا من شأنه أن يتسبب في المزيد من تفاقم نسب التضخم، ويزيد في تدهور القدرة الشرائية وقد يدفع بالفئات الضعيفة إلى الاحتجاج.

ويدفع الصندوق الحكومة كذلك باتجاه الاقتراض من الخارج، لتوفير السيولة اللازمة لنفقاته الاستثمارية، بهدف تنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط.

وترفض السلطات اللجوء إلى الاستدانة من الخارج بدعوى “رهنها لسيادة البلاد” كما أكد في الكثير من المرات الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، لكنها اتجهت إلى ما هو أخطر من ذلك.

وبلغ دين البلاد الخارجي بنهاية العام الماضي قرابة 3.85 مليار دولار، حسب ما صرح به محافظ البنك المركزي محمد لوكال، في وقت سابق.

ويقول صندوق النقد إن طباعة نقد جديد لتمويل العجز، يجب أن يقابله وضع ضمانات وقائية قوية وينبغي أن تشمل هذه الضمانات حدودا كمية وزمنية صارمة على التمويل النقدي.

وضربت الحكومة عرض الحائط بكل تحذيرات الخبراء من أن طباعة نحو 20 مليار دولار من الأوراق النقدية لتغطية العجز في الخزينة العامة وتسديد الدين الداخلي، ستعمق الأزمات المتراكمة وستحدث مشكلة كبيرة قد لا تستطيع حلها مستقبلا.

ويحذر لالماس وعدد من الخبراء من خطورة إجراءات طباعة النقد لسد العجز، لكن الحكومة صمت آذانها والآن جاءها التحذير من صندوق النقد. وقال إن “تبعات طباعة النقد ستبدأ أعراضها في الظهور على المديين القصير والمتوسط أي بعد نحو 8 شهور من الآن”.

كما أكد آيت علي أن أكثر من 20 خبيرا جزائريا سبق أن حذروا الحكومة من اللجوء إلى خيار إصدار النقد لسد العجز، لكنها لم تستمع للتحذيرات.

وقال إن “الحكومة غير قادرة على مرافقة الإصدار النقدي، بإجراءات من شأنها امتصاص الصدمات التضخمية، وتلك المتعلقة بارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين”.

وتقول السلطات إن البلاد فقدت قرابة نصف مداخيلها من النقد الأجنبي، التي هوت من 60 مليار دولار، في 2014، إلى 34 مليار دولار العام الماضي.

وتظهر تلك الأرقام أن احتياطيات العملة الصعبة تقترب من المنطقة الحمراء، وهو ما يعني أن الدولة النفطية دخلت في منعطف خطير من أزمتها الاقتصادية.

وبلغت الاحتياطات النقدية للجزائر، العضو في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، نحو 97.3 مليار دولار بنهاية العام الماضي، بعدما كانت تبلغ 114 قبل عام.

وفي ضوء تلك المؤشرات المقلقة تكون الجزائر فقدت أكثر من 93 مليار دولار من احتياطاتها النقدية منذ بداية أزمة تراجع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية منتصف 2014.

وكان أويحيى قد طمأن مواطنيه عندما تقلد منصبه قبل أشهر، بأن احتياطي النقد الأجنبي لن يهبط عن مستوى مئة مليار دولار إلى غاية حلول عام 2020 مع الحفاظ على معدل التضخم عند 5 بالمئة.

10