العلاج بالحب

الأحد 2016/02/21

يبدو تعبير العلاج بالحبّ غريبا وغير منطقي في زمننا حيث تصحّرت المشاعر البشرية، وأصبحت الوحدة أشبه بالسرطان الذي يفتك بنفوس البشر، لكن استوقفتني طبيبة أميركية مشهورة ومُتخصصة بالعلاج النفسي والسلوكي لأخطر المجرمين ولدى الطبيبة النفسانية فريق طبي يتّبع أسلوبا جديدا في إعادة تأهيل هؤلاء المجرمين، بمعنى أن يتم شفاؤهم من النزعة الإجرامية لديهم، والخطوة التالية إعادة دمجهم في المجتمع كأشخاص أسوياء.

معظم هؤلاء المجرمين كانوا شبابا ارتكبوا مجازر في أفغانستان والعراق وسوريا وغيرها، وتمّ سجنهم في أميركا بعد أن صدرت بحقهم أحكام قاسية تتراوح بين السجن لسنوات طويلة وحتى السجن مدى الحياة، مع أنهم لم يكونوا سوى عبيد مأمورين للدولة العظمى التي زجّتهم في حروب وحشية لم يكن لهم رأي فيها.

ما يهمني هنا هو طريقة العلاج بالحب التي ابتكرتها الطبيبة النفسانية الأميركية وفريقها الطبي -وأعتذر إذ لم أتذكر اسمها- إذ خصصت لكل مجرم سجين كلبا، عليه أن يعتني به وفق خطة مُعينة تُقدم للسجين.

والفكرة هي خلق روابط ألفة ومحبة بين السجين والكلب، إذ من المعروف أن الكلاب محبّة جدا ومُخلصة لصاحبها، إنها من أهم الكائنات الحية القادرة على الحب بلا حدود، وبالفعل نشأت علاقة رائعة بين المجرم الخطير السجين والكلب، ويمكنني القول علاقة إنسانية لولا أن الكلب حيوان.

وتبين أن المجرم الذي صار يتلقى عاطفة حب واهتمام من الكلب الذي يقيم معه قد خفّت لديه النوازع الإجرامية، وأحس معظم المجرمين بالندم والخزي للسلوك الوحشي الفظيع الذي مارسوه مع ضحاياهم، وبعضهم تغيّر تغيرا جذريا، فصار إنسانا لطيفا قادرا على الإحساس بالآخرين والأهم أصبح قادرا على الحب.

المغزى الرائع من هذه التجربة الناجحة أنه يُمكن شفاء الإجرام بالحب، بمعنى آخر لو وجد هؤلاء المجرمون أشخاصا أحبوهم بصدق، ولو لم تسخّرهم سياسات استعمارية وحشية لخدمة أغراضها لما صاروا مجرمين.

فالإنسان لا يُولد مجرما، لكن ثمة ظروف قاسية تدفعه للإجرام، ولا أبرر للمجرمين أفعالهم لكن يجب دوما أن نكون مُنصفين وأن نبحث عن خلفيات ودوافع أيّ عمل وأيّ جريمة، وهؤلاء الشبان الأميركيون الذين تعمل الدكتورة النفسانية وفريقها على شفائهم من الإجرام عن طريق العلاج بالحب، ليسوا أساسا مجرمين وما صدر عنهم من تصرفات هستريائية وإجرامية كان بسبب سوء قرارات السياسة الأميركية التي أجبرتهم على الإذعان وغسلت عقولهم ليتبنوا أفكارا لا يؤمنون بها في العمق، والبعض منهم انتحر أو انتهى في مصحات عقلية وتدمرت حياته الأسرية.

وأؤمن أن القفزة المذهلة في علم النفس الحديث ستكون بتطوير آليات وأساليب عديدة غايتها شفاء النوازع العدوانية لدى البشر، وتشذيب السلوك البشري العنفي، ومن أهم تلك الوسائل العلاجية: العلاج بالحب، فالحب وحده قادر على استئصال الشرور من جذورها، لأن الشرّ ذاته ينهزم أمام الحب، ولا يوجد إنسان مهما بلغت قسوته وقلة إحساسه لا يتأثر أمام لحظة حب صادقة وحقيقية.

إن الكلب كونه مخلوقا وفيا ومُحبا استطاع أن يُعالج أعتى المجرمين، حريّ بنا نحن البشر أن نخجل، فلو أن هؤلاء المجرمين وجدوا حبا صادقا ولم يتم استغلالهم في سياسات إجرامية لا إنسانية لما صاروا مجرمين.

نقص الحب أو شحه وربما انعدامه هو أصل الشرور في عالمنا المعاصر، وكل تحليل نفسي لشخصية أيّ مجرم يتبين أنه عاش طفولة قاسية وكان يفتقد الحب والحنان، وتكفي نظرة عابرة لعواصم ومدن أجنبية لنرى أن صداقة الإنسان مع الكلب هي أقوى صداقة، ونرى منظرا مُشتركا: إنسان بصحبة كلب. إنسان لا يجد حبا وعطفا وصداقة لدى أخيه الإنسان بل يجده عند كلب، أي حيوان!

حقيقة مُخجلة وصادمة لكنها تصفعنا بسؤال جوهري يمس صميم إنسانيتنا: إلى أيّ حد نحن قادرون على الحب؟ وعلى استخدام العلاج بالحب لنقلّل من قسوة البشر ووحشية الظروف والواقع.

العلاج بالحب قد يكون الوسيلة الأنجح من كل الأدوية النفسانية والصدمات الكهربائية وجلسات التحليل النفسي. الحب الذي هو أصل الحياة، إن لم يكن هو ذاته الحياة.

كاتبة من سوريا

21