العلاج بالرقص.. ظاهرة جديدة تشهد إقبالا في مصر

العلاج بالرقص، هو مفهوم جديد في مجال العلاج النفسي بدأ في الانتشار مؤخرا في مصر كنوع من النشاط البدني الجماعي، ولا يقدم هذا النوع من العلاج داخل المصحات العلاجية التقليدية، بل يتبناه عدد من المؤسسات والمراكز الثقافية المتنوعة المنتشر أغلبها في القاهرة وضواحيها.
الثلاثاء 2017/10/31
حركات في الاتجاهات الأربعة للمكان

القاهرة – بات الإعلان عن ورش العلاج بالرقص من الأمور المألوفة هذه الأيام في محيط التجمعات الثقافية في القاهرة، وهي ورش يشرف عليها راقصون وراقصات، أو أطباء يؤمنون بهذا النوع من العلاج النفسي.

ويرى البعض أن تزايد الإقبال على مثل هذه الورش خلال السنوات الأخيرة، هو نتيجة طبيعية للضغوط النفسية الناجمة عن التعقيدات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تلعب دورا مؤثرا في العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع، إذ تبرز جراء هذه الضغوط أنماط متعددة من الأمراض والعلل النفسية كالاكتئاب والانطواء والعدوانية، بالإضافة إلى الصدمات النفسية الحادة التي تتفاقم في مناطق الاضطرابات والحروب والأزمات الاقتصادية.

بين ورش الرقص العلاجي التي عرفت رواجا في مصر، نجد على سبيل المثال ورشة “جسدك وطنك” وتقدمها الدكتورة رضوى العطار، وهي متخصصة في العلاج النفسي والعلاج بالرقص والحركة.وتعتمد ورشة “جسدك وطنك”، كما تقول العطار، على مبدأ التعبير الحركي البدائي أو المرتجل، وهي تقنية وضعها عالم النفس الأميركي هيرنس دوبلان، وتركز على الإيقاع والحركة وكيفية دمج حركات الجسم في الاتجاهات الأربعة للمكان.

وترى رضوى العطار أن مثل هذه التمارين الحرة تساعد على استكشاف كيفية التفاعل مع موضوعات مثل المكان والوقت والزمن، وتعمل رضوى حاليا كطبيبة مقيمة في مستشفى للأمراض النفسية بالقاهرة، وحصلت على دبلوم في العلاج بالرقص والحركة من أحد المعاهد في إيطاليا، وهي تركز نشاطها لعلاج حالات الإدمان والاكتئاب.

ومن بين أبرز المؤسسات التي تقدم هذا النشاط العلاجي أيضا مؤسسة “دوار”، والتي تقدم ورشة أسبوعية لتعليم الرقص الإيقاعي والرقص الحر بهدف العلاج، والتي تتيح لهؤلاء الذين يعانون من ضغوط نفسية الانفتاح على الآخرين، إذ أن الهدف الأول من إنشاء هذا المركز، كما يقول مديره خالد صلاح، هو استخدام الفنون من أجل التعافي النفسي والتحول المجتمعي.

الـ{دي إم تي}، تستخدم فيه الحركة كوسيلة لمساعدة الإنسان على تحقيق التكامل العاطفي أو المعرفي أو الاجتماعي

ويقدم المركز أنواعا مختلفة من الفنون والدراما العلاجية كمسرح السيكودراما والرقص والغناء وورش الرسم، ويتكون فريق المركز من عدد من الفنانين والمربين والمعالجين النفسيين وممارسي العلاج عن طريق الفن من مصر ودول أخرى.

ويشمل نشاط المركز عددا من المبادرات التي تشجع على الإبداع والتفكير النقدي والمشاركة المدنية والتماسك المجتمعي، وتقديم الخدمات العلاجية للأفراد والأسر والمجتمعات المتضررة من الضغوط الحادة والصدمات المؤلمة، كما تشمل خدماته تقديم المشورة والنصح وإتاحة المجال للباحثين والمتدربين على مثل هذا النوع من النشاط الحركي. وعن جدوى العلاج النفسي بالرقص ترى المدربة سلمى الديب التي تقدم ورشة شهرية للعلاج بالرقص في مركز “درب للفنون” في القاهرة أن الرقص هو أداة للتواصل، وهو أفضل وسيلة لاستكشاف الذات بالوصول إلى الجسد والإحساس به ككل دون تهميش أعضاء معينة، كما يهدف الرقص إلى التقليل من الضغط النفسي وتخريج الطاقة السلبية.

وغالبا ما تبدأ الديب ورش الرقص التي تقدمها بشعارها المفضل، وهو “على باب الغرفة أترك كل همومي”، فهي ترى أن التخلي عن كل الأفكار السيئة أثناء الرقص من شأنه أن يزيد من فرص العلاج، خاصة لمرضى الاكتئاب. وتدرس سلمى الديب الطب في جامعة الإسكندرية، وهي مهتمة بالعلاج بالرقص والحركة منذ عام 2014، كما تعمل أيضا كمدربة للرقص الشرقي.

أما الدكتور أحمد حسين الطبيب النفسي بمستشفى العباسية للصحة النفسية، فكان له رأي آخر، إذ يرى أن العلاج النفسي متنوع ومختلف عن العلاج العضوي، وله أساليب متعددة ومختلفة من حالة إلى أخرى، فالرقص عنده وبأشكاله المختلفة يسهم بلا شك في نفث الطاقة الزائدة من الجسم، وربما يخفف الضغوط، لكنه يرى أيضا أنه ليس علاجا شاملا للحالات المزمنة مثل الاكتئاب والفصام بأنواعهما. وفي مواجهة رأي أحمد حسين هناك العديد من الآراء الأخرى المؤيدة لمثل هذا النوع من النشاط، إذ تؤمن الإخصائية النفسية، أسماء حليم، بأن الرقص قد يكون علاجا ناجحا للاكتئاب، لذا فهي توصي به بشدة، بل تنظم هي الأخرى من حين إلى آخر ورشات للرقص بهدف استعادة علاقة المرأة بجسدها.

وتحاول حليم من خلال ورشتها الراقصة محاربة الانتقادات الشائعة التي توجه إلى النساء، كزيادة وزنهنّ واقترابهنّ من المقايسس الجمالية الشائعة أو ابتعادهنّ عنها، وترى أن تلك المخاوف عادة ما تسبب للنساء أضرارا نفسية ناتجة عن عدم تقبلهنّ لأجسادهن نتيجة للصورة النمطية التي يرسخها الإعلام عن الجسد المثالي للمرأة.

وتعتمد الورشة التي تقدمها حليم على الرقص المكثف وعلى تمارين مصممة علاجيا عن طريق حركة رقص يطلق عليها “دي إم تي”، وهو نوع من أنواع العلاج الحركي ظهر في منتصف الستينات من القرن الماضي بالولايات المتحدة الأميركية وتستخدم فيه الحركة كوسيلة لمساعدة الإنسان على تحقيق التكامل العاطفي أو المعرفي أو الاجتماعي.

وترى أسماء حليم أن استخدام الرقص كوسيلة علاجية، هو سلوك عرفته البشرية منذ الآلاف من السنين، فقد استخدم الرقص كطقس لعلاج الخصوبة والأمراض إلى جانب توظيفه دينيا وعقائديا لدى الكثير من الثقافات والحضارات القديمة.

16