العلاج بالكلام

الأحد 2017/12/03

لا زال الإرهابيون، أيّا كانوا، يهجمون ويحاولون النجاة، وفي الوقت نفسه يبطشون بضحاياهم ويتمسكون باعتقادهم أنهم يمتلكون الحقيقة ويفعلون الحق.

وبالطبع يبتعد هؤلاء أكثر فأكثر عن فضاءات العلم والمعرفة، بل وعن القراءة الذكية لوقائع أوقاتهم وأوقات الآخرين. وهؤلاء أنواع، من بينها النوع الذي لا يمارس العنف وإنما يُنظّر له، ومنها من يحكم ويُقرر لكي يؤكد على مُطلقاته، ومنها من يَقتل ويُقتل، ويتساوى في ذلك الداعشي الذي يذبح بريئا والمستوطن الصهيوني الذي يقتل مزارعا فلسطينيا. ومن هذه الأنواع، الطائفي الجامح المصاب بالسعار، والمنغلق على تأويلاته للدين ورؤيته القاصرة للحياة ولمن يحيونها.

ومثلما يكذب المتطرفون على أنفسهم وعلى الآخرين فإن شعوبهم وعقائدها مكذوبٌ عليها وتُهاجم بالجملة، مثلما هؤلاء يأخذون الناس بالجملة، ويستريحون للتنميط، أبو الذمائم التي تنتج الصراعات بين الأمم، وتُكرّس البغضاء بين الجماعة البشرية، بتخليق النعرات الطائفية.

في العام الأول من القرن العشرين أصدر عالم النفس اليهودي سيغموند فرويد، كتابه الشهير “تفسير الأحلام”. وبالطبع لم يكن فرويد عرّافا أو دجالا وإنما يبحث بأدوات التحليل العلمية.

ففي ذلك الكتاب، على بساطة عنوانه، أثار فرويد ضجة كبرى تشبه الضجة التي أثارها العالم الفلكي البولندي نيكولاس كوبرينيكوس، في القرن السادس عشر، عندما أثبت أن الأرض ليست مركز الكون مثلما تعتقد الكنيسة.

فقد أزاح فرويد الوعي عن مركزيته في الحياة الإنسانية وأدخل معه عنصر اللاوعي واستعان بالأحلام للكشف عن الرغبات المكبوتة. ففي منطق اللاوعي تتراكم وتحتقن الرغبات المكبوتة والذكريات المؤلمة والأحقاد. لذا ترى الإرهابي ينفلت إلى النكاح ويذبح. وإن أتيحت معالجته دون قتله فالعلاج يكون بالكلام، أي بجعل المريض كمن يهذي في تداع حرّ لأفكاره توخيا لفهم مرض كل مُصاب. فالإرهابيون مرضى نفسيون معقدون ينبغي أن يترافق العلاج ببترهم، مع العلاج بكلام يسمعه الطلقاء منهم الكامنون في جحورهم.

عندما احتل هتلر النمسا أحرق جنوده مؤلفات فرويد حفاظا على فكرة اللاوعي، واحتجزوه توطئة لقتله، تعاطف معه حارسه وساعده على الهرب إلى لندن. هناك أصيب بالسرطان، فأجريت له ثلاثون عملية لاستئصال المواضع المصابة دون جدوى. طلب من طبيبه أن يساعده على الانتحار قائلا له “أنا الآن، لا أعرف سوى العذاب”.

تتعذب الأمم بسرطان الإرهاب الذي لا يجدي معه الاستئصال الموضعي ولا يليق به سوى قتله أو موت المعذبين، بعد استنفاد سُبل العلاج بالكلام.

24