العلاقات الأسرية تفقد حميميتها في المناسبات والأعياد

الأسر التونسية تهمل تنشئة أبنائها على عادات التزاور، وإرساليات الهواتف الجوالة أصبحت الحل الأسهل للمعايدة دون أن يكلف الشخص نفسه جهد التنقل.
الأحد 2018/08/19
حميمية مفقودة

تونس - منذ سنوات ليست بالبعيدة كانت المناسبات الدينية والاجتماعية وخصوصا منها الأعياد مثل عيدي الفطر والأضحى، تدخل حركية كبيرة في الشارع وفي البيوت التونسية، وفي صباح يوم عيد الفطر مثلا تمتلئ الأحياء والشوارع بالآباء والأبناء وتراهم ينتقلون من بيت إلى آخر لزيارة الأقارب أو الجيران لتهنئتهم بالعيد.

ويحرص الآباء على أن يستيقظ الأبناء باكرا ويرتدون ثياب العيد الجديدة ليصطحبوهم معهم للمعايدة خصوصا على كبار السن من الأسرة أو في الحي ويرمون من ذلك إلى تربيتهم على أداء الواجب واطلاعهم على أهمية العائلة والعلاقات الطيبة مع الجيران.

وفي السنوات الأخيرة ومنذ ظهور الهواتف الجوالة وتزايد استخدامها واستخدام الإنترنت بدأت مظاهر المعايدة وعلى رأسها تبادل الزيارات تختفي شيئا فشيئا من المجتمع التونسي ومن الأحياء لتعوّض بالاتصال الهاتفي أو بالإرساليات عبر الإنترنت.

 وتقول ميساء ربة بيت وأم لطفلين “تختلف الأعياد اليوم عن الماضي، أصبح يوم العيد كغيره من الأيام، أتذكر في صغري أي في أعوام الثمانينات من القرن الماضي كان والدي يحرص على أن يأخذني وإخوتي لنزور الأقارب والجيران فنذهب أولا للمعايدة على أجدادنا ثم أعمامنا وخالاتنا وكذلك نمر لنهنئ جيراننا وكل الكبار في السن في حيّنا”.

وتشير ميساء في حديثها لـ”العرب” إلى أن “كل الآباء والأمهات كانوا يسعون لتعليم أبنائهم هذه العادات التي تقوم على توطيد الروابط الأسرية من جهة والعلاقات الاجتماعية من جهة ثانية. وكانوا يرسخون لديهم أن عادة المعايدة وزيارة منازل الأقارب والجيران واجبة على صغار السن تجاه الكبار".

وتضيف “هذه العادات التي تربيتُ عليها جعلتني أدرك دور هذه المناسبات في تقوية العلاقات بين أفراد الأسرة وهي التي تجعل الشخص عندما يكبر يسعى للمحافظة على استمرارية علاقاته الطيبة مع عائلته أولا ثم مع محيطه الاجتماعي لأنه يدرك قيمتها في حياته منذ الصغر”.

وترى ميساء أنه “اليوم تغيرت الأوضاع وأصبح الجميع يتبادل التهاني والمعايدة عبر إرساليات الهواتف الجوالة أو من خلال الدردشة عبر مواقع التواصل الاجتماعي”، وأكدت أن هذه الوسائل جعلتها بدورها تستسهل مسألة المعايدة ولا تكلف نفسها جهد التنقل لزيارة أقاربها وجيرانها وأحبابها وهو ما جعلها غير قادرة على غرس نفس العادات في أبنائها الذين يرفضون مرافقتها في زيارات المعايدة لأفراد العائلة الموسعة أو الجيران ويكتفون بتهنئتهم برسائل إلكترونية.

التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال خلقت نوعا من الخمول في العلاقات الاجتماعية التي تقوم على الالتقاء المباشر وتبادل الزيارات

ويرى مختصون في علم الاجتماع أن المناسبات الاجتماعية والدينية بدأت تفقد ميزاتها وخصوصياتها في المجتمع التونسي كما في غيره من المجتمعات العربية، حيث لم يعد الناس حريصين على أن تكون فرصة لتبادل الزيارات ومن ثمّ لتقوية الروابط الأسرية عبر اللقاءات المباشرة والتواصل مع الأشخاص المقربين.

وكانت العديد من الدراسات قد أكدت أن تقنيات الاتصال والتواصل الاجتماعي أدخلت تغييرات كثيرة على حياة الناس وبالتالي على الأسرة والمجتمع وعلى العلاقات بين الأفراد، كما أثرت هذه التقنيات المتطورة بوسائلها في المجتمعات العربية على اختلافها، غير أن خطورتها تتفاقم من وجهة نظر علم الاجتماع عندما يشمل تأثيرها الفرد والأسرة وكذلك المجتمع فتمسّ بعاداته وثقافته خصوصا منها تلك المرتبطة بالعلاقات الإنسانية والأسرية.

من جانبها تقول الآنسة وديعة موظفة في جامعة خاصة في تونس إن “العيد في السابق كان أكثر حميمية، فكل أفراد العائلة الموسعة وكذلك الجيران من الرجال يحرصون على المرور أولا ببيتنا بعد صلاة العيد لتهنئة جدتي وهي كبيرة العائلة، وتناول فطور الصباح معها، لكن منذ وفاتها بقي القليل منهم يمر للمعايدة سريعا”.

 وتضيف “كنا صغارا ننتظر الفترة المسائية للعيد للقيام بجولة المعايدة كما في كل عيد فنتوجه إلى الأقارب من العائلة الصغيرة والموسعة لكن الآن صارت الجولة مقتصرة على العائلة المصغرة ومهاتفة بعض الأقارب وكذلك الأصدقاء وهو شيء مهم بالنسبة إلي لأن المعايدة الفيسبوكية والجماعية تبدو من دون روح ولا خصوصية فيها”.

ويفيد خبراء في علم الاجتماع أن ما تتيحه التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال والتواصل من سهولة في التخاطب وتبليغ الرسائل خلق نوعا من الخمول في العلاقات الاجتماعية التي تقوم على الالتقاء المباشر وتبادل الزيارات سواء للتهنئة في المناسبات الاجتماعية أو في الأعياد الدينية وهو ما جعل الكسل والبرود يتسرب إلى الفرد الذي يكتفي اليوم بالقيام بهذه الأدوار عن بعد وعبر إرساليات الهاتف أو الإنترنت فأصبح كل شخص يختار الحل الأسهل للمعايدة كما في تقديم التهاني وغيرهما دون أن يكلف نفسه جهد التنقل.

وينخرط الآباء كما باقي مكونات المجتمع في هذا السياق وقد لا ينتبهون إلى أنهم يغفلون عن تعليم وتربية أبنائهم على الحفاظ على علاقات أسرية قوية خصوصا مع أفراد العائلة الموسعة وكذلك مع الجيران والأصدقاء، وينوّه المختصون بأهمية تنشئة الأبناء على التواصل المباشر مع محيطهم العائلي والاجتماعي وعلى العادات الاجتماعية التي تقوي الترابط والعلاقات الإنسانية من جهة وتنمي التشبث بالثقافة والعادات والتقاليد من جهة ثانية.

21