العلاقات الاجتماعية على مشارف الجنون

الأحد 2018/01/21

ننشغل دوما بما يربطنا بالآخرين مهما كانت نوعية العلاقة التي تجمعنا بهم، وذلك لأن العلاقات البشرية واكبت ركب التغيّر السريع واللامنطقي أحيانا، في نمط ونسق الحياة الأسرية والاجتماعية العامة.

أصبحنا عن وعي أو دونه ننظر إلى طبيعة هذه العلاقات ومظاهرها بكثير من الغرابة، حيث انقلبت لدينا كل المفاهيم رأسا على عقب، فأضحينا نبحث عن الهدوء في ركام الفوضى العارمة التي شابت الروابط الاجتماعية. وصار العقل والتعقل نشازا في سيمفونية الجنون التي تعزف بلا هوادة.

وتبعثر المنطق في دروب الحسابات، ومع الأسف كلها حسابات ضيقة لا تتجاوز ضيق المصالح على اختلافها، مهما كانت المسافة التي تفصل أطراف العلاقات الأسرية والاجتماعية، التي أصبحت تُدار على أساس الصراعات المتكررة والمستمرة. حتى أننا أضحينا ندرك بأن الوجود البشري في حدّ ذاته بات يخضع لمنطق فلسفي ساد بنية الفكر في فترة التحولات الكونية العميقة، ويتسق مع معطى “البقاء للأفضل” في نظرية النشوء والارتقاء الداروينية.

بؤر الصراع الاجتماعي استفحلت في محيطها الضيق والمنفتح، قادنا إلى هذه الرؤية تعقد الحسابات اللامنطقية التي طبعت فلسفة التعايش في إطار اجتماعي وفق مفهومين مُعقْلنين على الأقل وهما؛ التشارك والتكامل، إذ بات الأمر خارج نطاق كل منطق إنساني. الحسابات المجنونة وحدها تحدد المسارات والمواقف، تدخلات بالجملة في شؤون الآخرين، فرض منطق الواقع، وكأننا تصالحنا مع منظور فلسفي قديم يرى الجنون كما لا نراه ويعرّفه بخلاف ما نعلم.

فقد عرّف البعض الجنون بأنه أقصى درجات التعقل، حيث لا قيمة لأي حدود وقوالب ذات أبعاد دينية أو ثقافية أو اجتماعية أو حضارية. المجنون يسخر من كل عقلاء الأرض بالسطو على ما أنتجته عقولهم، وما توصلت إليه نظرياتهم وتجاربهم.

الجنون حالة من “التعقل في مداه الأقصى”، ولذلك فهو حالة انعتاق من كل قيد أو شرط. إنه تمرد على المنطق. هل ساد الجنون علاقاتنا الإنسانية؟

الوضعان؛ الأسري والاجتماعي، أصيبا بالجنون، وفقدا بوصلة التحكم، ورفضا الانصياع لمقتضيات التعايش السلمي المؤطر -باختلاف مرجعيات التأطير طبعا- فبتنا نعيش في دوامة من العنف وانتهاكات للخصوصية الذاتية وتكريس للأنانية.

الزوجان يتصارعان تحت شعار “المظلومية” أو “إثبات الوجود”، مفاهيم التحابب التلقائي والودّ القائم على التآلف النفسي والتنازل والمراعاة، كلها مصطلحات أصبحت من الماضي لدى نسبة كبيرة من الأزواج، لأنّ الطابع البراغماتي-النفعي طغى على العلاقات الزوجية، فالأقوى والأذكى والأكثر سطوة واقتدارا -دون اعتبار للجنس سواء كان رجلا أو امرأة- هو من يوجّه بوصلة العلاقة الزوجية، ويسطّر تفاصيلها وحيثياتها، فهو إذن صراع محموم مجنون يقوّض القيم السائدة والمألوفة لبناء العلاقات الزوجية، إنه صراع من أجل “القيادة”.

أما العلاقة بين الآباء والأبناء فقد شهدت بدورها بعض الصراع المجنون بما أن مرجعيات المعرفة والأخلاق معا مختلفة لدى الجيلين، بل متقابلة وفق ثنائيات من قبيل؛ السرعة والهدوء، والتشبث بالأصالة والانبتات، واللحمة والتشرذم، وكل ما يدور في فلك هذه الثنائيات. فالآباء فقدوا سلطتهم المعنوية وفي المقابل تمرّد الأبناء ليرسموا طريقهم بمنظار العصرنة والتحديث، بعيدا عن الوصاية الأبوية، رافضين حتى المرافقة والمساعدة بحجة تفوقهم الذهني وقدرتهم وطبيعة عصرهم.

هذان النموذجان من العلاقات التي شهدت توترا فاق الحدّ المعقول ولذلك وسمناهما بالجنون، ينسحبان بالضرورة على بقية العلاقات ذات الطابع الاجتماعي بجميع أصنافها وأطرافها، بما في ذلك علاقات الروابط الدموية وعلاقات الجيرة والصداقة والزمالة في الدراسة أو العمل.

أما ظاهرة الخروج عن المنطق والعقل في بناء العلاقات البشرية في معناها الإنساني الأشمل فهي بالتأكيد ليست مطلقة، وإن تفشت واكتسبت صفة الظاهرة فهي لا تعكس الدعائم والأسس الفكرية والمرجعية والقيمية، المتجذّرة تاريخيا في المفهوم الشعبي لتركيبة العلاقات داخل الأسرة والمجتمع حتى وإن اعتراها التغيير. فستبقى مفاهيم مثل الحب والودّ والانسجام والتكامل والتسامح والمساعدة والمراعاة وغيرها، قائمة وإن تقلصت بنسب.

تكمن دائما في ذات الإنسان ما عبّر عنه عبدالرحمن بن خلدون في كتابه “المقدمة” بقوله “الإنسان مدني بطبعه”، لأنه لا يستطيع أن يكون انتهازيا وأنانيا و”مجنونا” إلى ما لا نهاية له. لنبحث إذن عن منطلق متعقّل وسط بحر الجنون المتلاطم. ألم يقولوا إن لكل مشكلة حلا ولكل صراع نهاية ولكل جنون عقلا؟ ربما تنفتح نهاية الأفق ويرسم طريقا للنور في خضم العتمة.

لا يمكن للإنسان أن يفقد جميع مكوناته وطباعه الفطرية مثل الميل نحو العيش المشترك، رغم أن تغير الحياة وتطوّر نسقها بوتيرة شديدة جعلاه يكتسب سلوكيات وتصرفات اجتماعية تغلب عليها صفات مثل الأنانية والانتهازية والصراع، سواء داخل أسرته أو في فضاءات نشاطاته المختلفة. ولكنه يبقى كائنا اجتماعيا بامتياز.

كاتب تونسي

21