العلاقات الافتراضية وارتداداتها على الأسر

الأحد 2017/11/05

تعتبر وسائل الاتصال والتواصل الحديثة من أهم ما توصل إليه عقل الإنسان في العصر الحديث، فما أحدثته شبكة الإنترنت في مستوى بنية العلاقات الاجتماعية والبشرية الكونية عموما يُعدّ إنجازا شديد الأهمية والتفرّد باعتبار أن كل المسافات تلاشت وكأن العالم تجمّع في قبضة اليد الواحدة.

أمر جميل أن يتواصل الناس بيسر وسهولة بالضغط على الأزرار وتوظيف التطبيقات المختلفة للتواصل بالإشارة والكتابة والصوت والصورة. ولكن لهذه الوسائل الحديثة انعكاسات سلبية على مستوى تركيبة العائلة والعلاقات بين أفرادها.

حين يصبح استعمال وسائل التواصل الاجتماعي -فيسبوك وتويتر وإنستغرام وغيرها- أكثر من ضروري بل يصبح إدمانا لا شفاء منه، تتعقّد العلاقات الأسرية وتتشابك في الاتجاه الخاطئ، لأن كلّ فرد من أفراد العائلة سيصنع لنفسه عالما افتراضيا يدفن فيه أمانيه وطموحاته وآلامه وتشنجاته، حتى يصبح بشكل ما بديلا عن واقعه المعيش.

فوسائل التواصل الاجتماعي تفتح باب عقد علاقات تبدأ بالتعارف وتبادل التحايا والأفكار والمعايدات في المناسبات الدينية وفي أعياد الميلاد وتبادل الأخبار اليومية وغيرها، وهذا كله أمر إيجابي ينمّي المعارف ويوطّد صلة الفرد بالمجموعة. ولكن المشكلة تبدأ عند تطوّر هذه العلاقات خاصة بين الجنسين وتصبح صفحات الفيسبوك ملاذا للشكوى والبوح والطموح وتعويض النقص النفسي والذهني والعاطفي خاصة.

من هنا تبدأ المتاعب على مستوى العلاقات الزوجية بالخصوص، فكم من حالات طلاق كانت بسبب علاقات فيسبوكية افتراضية، وكم من جرائم وقعت بسبب الشك الأعمى في شريك الحياة نتيجة اكتشاف علاقات عاطفية خارج إطار الزواج. ولكن ما سبب تورّط البعض من الرجال ومن السيدات على حدّ السواء في نسج علاقات عاطفية افتراضية أساسا رغم الاستقرار العائلي الذي يعيشونه ظاهريا على الأقلّ؟

العلاقات التي تقام على صفحات التواصل الاجتماعي لا تخرج عن إطار الصداقات في بدايتها ولكنها تتطور شيئا فشيئا لتكتسي طابعا إلزاميا إلى حدّ ما لتصل في نهايتها إلى حدّ الإدمان. قد تكون النوايا حسنة وقد لا تكون هناك أهداف بارتباط عاطفي ووجداني ينتقل من العالم الافتراضي إلى الواقع المعيش، بيد أن ذلك يساهم بطريقة أو بأخرى في ترهّل العلاقات الزوجية المتعبة أصلا بتبعات صعوبة الحياة والجري المستمر من أجل توفير الماديات الضرورية لسدّ الحاجيات، ما يساهم بطريقة مباشرة في فقدان الجوانب العاطفية في العلاقات الزوجية.

هل عقد علاقات فيسبوكية خارج إطار الصداقة خيانة زوجية؟ الإجابة عن السؤال لا تحتمل التنظير بمختلف مرجعياته ولا تحددها نوايا الشك والتردد بقدر ما تحددها الأهداف والغايات. فهناك من الجنسين معا من لا يريد لعلاقته الزوجية أن تنتهي ولكنه يرى في علاقاته الفيسبوكية تعويضا عمّا افتقده من عاطفة وودّ وتلاق نفسي، فهو -إن صحّت العبارة- إشباع لنقص وجداني فقده في أسرته.

أما الصنف الثاني من النشطاء على صفحات التواصل الاجتماعي فيعمدون إلى ربط علاقات رغم ارتباطاتهم الزوجية لخوض تجارب عاطفية ومغامرات وجدانية جديدة يتراءى لهم أنهم سيكتشفون أنفسهم فيها ويتجاوزون بل سيصحّحون ويصوّبون ما يعتبرونه خطأ في الاختيار أو الارتباط، وهذا النوع من العلاقات يعبّر بما لا يدع مجالا للشك عن ندم رافق الجنسين في حياتهما الزوجية. وكان من الأجدر أن يواجها إخفاقهما بطريقة أفضل وهي المصارحة وأخذ قرارات جريئة رغم مرارتها ومنها الطلاق وتجديد الحياة بالطرق المشروعة ودون إيذاء الطرف المقابل بما يعتبره خيانة زوجية.

وهناك صنف ثالث من الرجال والنساء مهووسون بربط العلاقات الغرامية كيفما اتفق فيسعون إلى خوض تجارب عاطفية متنوعة وفي نفس الوقت مع عدة أشخاص ويصرون على تنزيل العلاقات من مجالها الافتراضي إلى واقع الحياة اليومية، وهم بذلك يتعمدون الخيانة في مظهرها اللاأخلاقي دون أيّ اعتبار لشريك الحياة والذي قد يكون ضحّى بالغالي والنفيس من أجل إنجاح مسيرة أسرته وتربية أبنائه تربية سليمة.

هذه الرؤى رغم ما فيها من مصداقية وواقعية لا سبيل إلى إنكارها إلا أنها لا يجب أن تشيطن كل العلاقات التي تقام على صفحات التواصل الاجتماعي لأنه يجب أن نؤمن بمعاني الصداقة الحقيقية بين الجنسين في إطار لا يسمح بتقويض العلاقات الزوجية والأسرية.

الأفضل أن تكون هذه العلاقات عبارة عن منتديات ثنائية أو جماعية لتبادل الأفكار والآراء والأخبار دون الخوض في الخصوصيات الشخصية وفي الحياة الذاتية للأشخاص، كما يجب على الأزواج أن ينتبهوا ويتحرّوا قبل إطلاق مصطلح الخيانة على أيّ علاقة تويترية أو فيسبوكية بين جنسين.

من هذا المنطلق تعمّ فائدة العلاقات الافتراضية والتي لا يجب أن تتعدى كونها افتراضية دون جعلها إدمانا يقوّض الأسر ويجلب المتاعب، فيمكن أن يكون أصدقاء الزوج هم أنفسهم أصدقاء الزوجة. وفي النهاية فـ”لكل امرئ ما نوى”.

كاتب تونسي

21