العلاقات التركية الإيرانية فوق حبل التوازن

الأربعاء 2014/11/05

خلال زيارته الأخيرة الى روسيا قدم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين لنظيره الإيراني، حسن روحاني، هدية تاريخية، عبارة عن درع من البرونز والذهب، يعود تاريخه إلى جيش الشاه عباس الأول أوائل القرن 17 الميلادي، خلال حروبه مع العثمانيين في الفترة بين أعوام 1603 وحتى 1618.

وفي نظرة سريعة على تاريخ الشاه الشاب، يمكننا أن نفهم المغزى الحقيقي لهدية الرئيس الروسي بعد المناورات المشتركة في بحر البلطيق، كما يمكننا أن ندرك عمق الهوة بين أنقرة وطهران .

وإذا كان ظاهر الأمور في هذه العلاقة يسودها التوازن المحفوف بالألغام السورية، فإن باطنها يحمل من التناقضات ما يكفي كي تعلن كل دولة آفاق مشروعها في سوريا والعراق، حين تدق ساعة توزيع غنائم الحرب التي يصعب التكهن بمدتها .

تقول طهران عبر وكالة "فارس" الإيرانية إن قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، هو القائد الفعلي للقوات العراقية التي تقاتل "داعش"، وأن الشعب العراقي يثق بقواته وليس بالتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

في المقابل تكسب أنقرة أوراقاً إضافية في سياق مشاركتها المباشرة في "الحرب السورية"، وذلك من بوابة مدينة كوباني وإدخال البيشمركة وقوات من الجيش الحر لدعم صمود المدينة حتى اشعار آخر .

أجهضت تركيا حتى الآن هجوم التحالف الدولي أو على الأقل خففت من زخم الحملة العسكرية على "داعش"، ونقلت المشهد إلى الساحة السورية لتنصب الأنظار نحو كوباني، وضمن الشروط التي وضعتها في إدارة لعبة عين العرب .

ترى إيران أن التحالف الدولي لم يحقق أي شيء سوى مساعدة كردستان وتحرير سد الموصل خدمة للأكراد ذوي حلم الانفصال عن العراق في دولة مستقلة.

في حين يعلن البرزاني عن استعداد أربيل لتلبية "الواجب القومي" وإرسال قوات إضافية من البيشمركة إلى كوباني في أي لحظة إن اقتضت الظروف، والانتقال إلى سوريا لم يكن ممكناً من دون موافقة السلطات التركية والتنسيق مع الولايات المتحدة، مما يعني تنسيقاً كبيراً بين أنقره وأربيل .

ولعل كردستان من أبرز نقاط الخلاف بين أنقرة وطهران، ففي حين تنعدم المصالح الاقتصادية الإيرانية إلى الصفر، تسجل أنقرة وجود ما يقارب 1400 شركة عاملة في أربيل .

قد لا تضع إيران في الوقت الحالي مصالحها الإستثمارية على حساب توسعها الجغرافي في المنطقة، تجسيداً لحلمها الفارسي القديم بالوصول إلى مياه المتوسط الدافئة، بينما عيون تركيا باتت تنظر إلى ما بعد الأسد.

يقول الكاتب الصحفي علي الأمين رئيس تحرير "موقع جنوبية" اللبناني حول مسار العلاقات الإيرانية التركية، وانعكاسها على مسار الوضع في سوريا :"ليست الأزمة السورية ما يقرر مسار العلاقة بين الدولتين الاسلاميتين الأبرز في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي أي إيران وتركيا. وعلى رغم قوة النظام العلماني ورسوخه في تركيا، فذلك لم يمنع من أن تستخدم الجمهورية التركية تاريخها العثماني وهي تتطلع إلى الشرق مستثمرة حضارتها الاسلامية والعثمانية، بعدما أغلق الاتحاد الاوروبي الأبواب في وجهها لأسباب شتى. أما إيران فقد سبقت تركيا في مد نفوذها نحو منطقة الشرق الأوسط ومنذ ما قبل الثورة الإسلامية لكن مع الثورة الاسلامية الايرانية شكل ما يسمى الصحوة الاسلامية أحد أبرز أدوات التمدد والتأثير، ولاحقا الهوية الشيعية مع احتدام المواجهة الايرانية مع مراكز النفوذ الاقليمي لا سيما السعودية".

ولا يمكن القول أن الأزمة السورية هي المقرر في العلاقة الايرانية - التركية، فالتعاون الاقتصادي تطور بينهما في السنوات الأخيرة، ورغم وقوفهما على طرفي نقيض في المواجهة القائمة في سورية، إلا أن ذلك لم يؤدي إلى تدهور العلاقة بينهما كما هو الحال بين السعودية وايران.

وإذا كانت القيادة التركية التي انضوت في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام، فإن إيران ليست على طرف نقيض من هذا التحالف، خصوصا أن هذا التحالف انكشف على حقيقة أن لا شيء واضح في خارطة طريق أهدافه، سوى مرجعية هذا التحالف أي الادارة الأميركية.

والثابت أيضا أن الادارة الأميركية هي المرجعية التي لا شريك لها في المنطقة، ولا حليف لها أيضا ففي الحرب المعلنة على داعش، الجميع ينسق مع واشنطن، إيران وتركيا وغيرهما، ولكن ليس هناك ما يشير إلى أنه ثمة طرف اقليمي يبدو أقرب أو أبعد إلى واشنطن من غيره.

من هنا المشكلة الرئيسية لتركيا، ليست في مصير نظام الاسد، بل في الدور التركي ضمن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، غير الواضحة بل الغامضة أو المخفية الأهداف بالنسبة لما يسمى حلفاء الولايات المتحدة وغيرهم.

مشكلة تركيا في سورية هي أنها لم تكتسب صفة الحليف أو الشريك لواشنطن، وبالتالي فإن جوهر الخلاف لا يكمن في الخلاف القائم مع إيران في سورية بل في خارطة الطريق الأميركية في المنطقة ومستوى الشراكة التركية فيها.

العلاقة الايرانية التركية محكومة لإدراك متبادل بين الدولتين إلى عدم المغامرة في تعميم الخلاف بتمديده إلى ساحتي البلدين، بل حصره في الميدان العراقي والسوري وفي غزة، وليس خافيا أن للدولتين قدرة في التمدد كل منهما إلى النسيج الاجتماعي للدولة الأخرى من أبواب قومية أو مذهبية، لكن ذلك لم يحصل كما شاهدناه في التمدد الايراني نحو النسيج الاجتماعي للدول العربية عموما.

التنافس سيستمر في الميدان العربي والكردي وفي بناء نظام مصالح استراتيجية مشتركة مع واشنطن على الرغم من تعدد السيناريوهات التي تنضج ببطىء حتى الآن في المنطقة، فمن الواضح أننا نسير باتجاه تطوير "سايكس _ بيكو" بإضافة دول جديدة الى خارطة المنطقة دولة فلسطينية و دولة كردية وإنعاش حلم الدولة العلوية.

12