العلاقات التركية - الروسية: مصلحة جيوسياسية توحد أعداء الماضي

الجمعة 2014/05/23
كتاب يبحث في العداء التاريخي بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية

لندن- صدر حديثا للباحث معمر فيصل الخولي كتاب عنوانه “العلاقات التركية – الروسية: من إرث الماضي إلى آفاق المستقبل” (120 صفحة من القطع الصغير). وهذا الكتاب، الذي يمثل جولة مفصّلة في تاريخ العلاقات بين الإمبراطوريتين، هو أقرب ما يكون إلى عدسة مقرّبة، ربّما تفسّر، إلى حدّ كبير، الواقع الراهن للخلافات التركية – الروسية في خلفيتيها الجغرافية والدينية.

وتنبع أهمية الكتاب الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، من أنه يتناول بالبحث المعمّق العلاقات التركية – الروسية في صعودها وهبوطها، وكذلك سياسات البلدين وتقاطعاتهما وافتراقاتهما. ولأن العلاقات بين الدول لا تسير على خط مستقيم ولأن تطورها إيجابيًا أو سلبيًا يعتمد على طبيعة العلاقات الثنائية والتفاعلات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

قسم الباحث دراسته في هذا الكتاب إلى ثلاث مراحل، مرحلة تأسيس الشراكة في العلاقات التركية – الروسية بين عامي 2002-2004، ومرحلة الشراكة المادية الملموسة بين عامي 2004-2008 والمرحلة الأخيرة هي مرحلة تنوّع المصالح في تلك العلاقات للمدة الواقعة بين عامي 2008 و 2012.

الفرضية التي يعالجها الكتاب هي وجود علاقة بين تطور العلاقات التركية الروسية بشكل إيجابي ورغبة البلدين المشتركة في تطويق الخلافات التي تحدث نتيجة التطورات الإقليمية والدولية. وتشتمل الفرضية على متغيرين رئيسين: المتغير المستقل، وهو وصول حكومة العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، والمتغير التابع هو العلاقات التركية الروسية.

بينما ينحصر النطاق الزمني للدراسة في المدة الواقعة بين 19 نوفمبر 2002، وهو تاريخ تسلُم حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا، ونهاية ديسمبر 2012، باعتباره الشهر الأخير من العام المكمل لعقد من الزمن مر على وصول ذلك الحزب إلى السلطة. ونظرا إلى ما تمثله الأزمة السورية من تناقض حاد في موقف كل من تركيا وروسيا منها، اضطر الباحث إلى توسيع النطاق الزمني حتى أبريل 2013 ولا سيما في مجال الانتقادات والتصريحات المتبادلة تجاهها.

يرى الباحث أنه ليس من المبالغة القول إن طبيعة العلاقات التركية الروسية يغلب عليها الطابع المميز لمسار العلاقات الدولية، ذلك المسار الذي يراوح بين التقارب والتباعد على مدار التاريخ، وإن رجحت كفة أحدهما على الآخر ليصبح الطابع الغالب في مسار علاقات الدولتين، فتارة تكون الطبيعة التقاربية هي السمة الغالبة لعلاقاتهما وتارة أخرى تكون الطبيعة التصارعية هي السمة المميزة لهما. لكن لطالما اتسمت هذه العلاقات تاريخيا بالعداء واندلعت بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية حروب كثيرة جراء التباين الديني، فالروس ظلوا يكنون العداء للدولة العثمانية طوال خمسمئة سنة ولم ينسوا أن العثمانيين دمروا الدولة البيزنطية غداة فتح القسطنطينية في سنة 1453، وهي العاصمة الأرثوذكسية الأهم في العالم. غير أن العلاقات بين الدولتين اتجهت إلى التحسن النسبي بين الحربين العالميتين الأولى والثانية بعدما أطاح البلاشفة دولة القياصرة في سنة 1917 وأطاح أتاتورك دولة الخلافة العثمانية في سنة 1924.

وحسب ما يرد في الكتاب، وعلى الرغم من العداء التاريخي، الذي استمر قرونا عدة بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية، والتوتر السياسي بين وارثيهما الاتحاد السوفيتي والجمهورية التركية في مرحلة الحرب الباردة، فإن روسيا في ظل الرئيس فلاديمير بوتين وتركيا في ظل رجب طيب أردوغان تمكنتا وبشكل كبير من تحييد العداء والتوتر في علاقاتهما الثنائية واستطاعتا التعاون معا علميا وبطريقة مثمرة، فلم تعد علاقات أنقرة بموسكو أوهاما أو فوبيا متعمقة الجذور. فقد تغير المنظور التركي إلى الدولة غير الصديقة روسيا السوفيتية، ويبدو أن موسكو مستعدة لبدء العمل مع تركيا لا من مجرد منظور الدولة التجارية وإنما من منظور الشريك الجيوسياسي في الحوار المشترك في غرب آسيا.

6