العلاقات الجزائرية - التونسية لم تقطعها السياسة وعمقها الإرهاب

واجهت العلاقات التونسية الجزائرية منذ الحقبة الاستعمارية الفرنسية عواصف كثيرة لكنها كانت في كل مرة تعود إلى مسارها، ففي كل مرحلة تظهر فيها الخلافات والتوترات في سماء العلاقات بين البلدين يكون التقارب الجغرافي والتاريخي والمصالح المشتركة بمثابة صمام الأمان الذي يتصدى لمحاولات إحداث الوقيعة والقطيعة، وهو ما تجسد في تجاوز أحدث أزمة بين البلدين حيث توصل الجانبان التونسي والجزائري إلى إلغاء ضريبة الدخول التي تم اعتمادها مؤخرا إثر مشاورات مكثفة خاضها نواب الطرفين.
الثلاثاء 2016/10/04
أزمة بين الجزائر وتونس.. فتش عن الإسلاميين

تتميّز العلاقات الجزائرية-التونسية بسمات خاصة لا يُظْهر فيها صُنّاع القرار في البلدين أي خلافات ـ حتى لو كانت عميقة ومصيرية وحاسمةـ سواء تعلّقت بالمشترك بين الدولتين، أو بالمصالح الخاصة بكل دولةــ بما في ذلك المرحلة التي حكم فيها الرئيسان الحبيب بورقيبة تونس، وهواري بومدين الجزائر، وما صاحب ذلك من رؤية سياسية تتعلق بالعلاقة مع الغرب من جهة، والدول المغاربية من جهة ثانية، حيث ظلت الخلافات ـ بغض النظر عن الحملات الإعلامية تجاوبا مع مواقف القادة في الدولتين ـ بعيدة عن رد فعل الشارع، حتى عند بلوغ الخلاف ذروته، هنا يطرح السؤال التالي: لماذا ظلّت العلاقة بين الجزائر وتونس مميزة وثابة ومستقرة رغم تناوب خمسة رؤساء للجمهورية في تونس منذ استقلالها، ووصول سبعة رؤساء إلى حكم الجزائر؟

في تجربة العلاقات الجزائرية-التونسية للتاريخ حضور من ناحيتين؛ الأولى، بما مثّلته تونس للجزائريين، فقد كانت بحق دار أمان لهم، إن جاز التعبير. والثانية، فتح كل المجالات (الدراسية والثقافية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية) أمام الجزائريين، وتلك التجربة تتطلب عددا من الدراسات الجادة، لأنه في ذلك التاريخ تمَّت المصاهرة بين الشعبين، والذي يزور المناطق الحدودية بين الدولتين الآن يحتار؛ أفي تونس هو أم في الجزائر؟ سواء أكان في الجانب التونسي أم في الجانب الجزائري. وهذا الميراث التاريخي المشترك هو المتحكم في الاختيارات الكبرى للدولة الوطنية في البلدين بعد الاستقلال، وفي وعي القادة بأن هناك خطا أحمر لا يمكن تجاوزه حين يتعلق الأمر بالعلاقة بين الشعبين، التونسي والجزائري.

إذا أردنا أن ندرك هذه المسألة من الناحية العملية في الوقت الحاضر، علينا أن نعود إلى ما حدث من رد فعل في الصيف الماضي حين فرضت الدولة التونسية رسوما على دخول السيارات على كل الجنسيات، وليس على الجزائريين فقط، وكان رد فعل الشارع الجزائري خاصة في المنطقة الحدودية غاضبا وثائرا، وقفت السلطات الجزائرية عاجزة عن إيجاد حل، وفي تلك الحالة كان متوقعا تراجع عدد السياح الجزائريين تجاه تونس، لكن لم يحدث هذا، بل على العكس من ذلك زادت الأعداد، فقد ذكر ممثل ديوان السياحة التونسي في الجزائر، بسام الورتاني، في تصريح لجريدة “الشروق” الجزائرية “أن عدد الجزائريين الذين دخلوا تونس منذ بداية السنة قد بلغ 1.2 مليون شخص، وأن حركة الدخول إلى تونس لم تتأثر بالاحتجاجات التي شهدتها البعض من المعابر الحدودية البرية، وقد سجلت زيادة قدرها 14 بالمئة في عدد الجزائريين الوافدين إلى تونس هذه السنة مقارنة بالسنة الماضية”.

الأكثر من هذا، وبحسب المصدر ذاته، سُجلت في أغسطس -وهو الشهر الذي بلغ فيه الاحتجاج على الضريبة التونسية ذروته- زيارة 450 ألف سائح جزائري بزيادة قدرت بـ26 بالمئة عن نفس الفترة من السنة الماضية (2015)، فيما بلغ عددهم شهر يوليو الماضي 195 ألف سائح جزائري، بزيادة قدرت بـ67 بالمئة عن السنة الماضية.

الملاحظ أن المسؤولين في البلدين لم ينتبهوا إلى أمر في غاية الأهمية، وهو نتاج التاريخ المشترك لمرحلة الاحتلال وما بعدها، ويتمثل في أن الجزائريين، عاطفيا ووجدانيا لا يؤمنون بالحدود القائمة بين الدولتين، وإن كانوا على المستوى الحياتي والوجودي والسياسي والعسكري يدافعون عن دولتهم الوطنية، ولأن الحالة الوجدانية تعود إلى الظهور من جديد كما دعا إليه داع، فإن الجزائريين لحظتها يعتبرون زيارة كل مدن تونس وقراها مثل زيارة قرى ومدن الجزائر، وبما أنه لا يمكن أن تفرض عليهم ضريبة من هذه الأخيرة، فهي غير مقبولة من تونس، ويمكن لهذه العلاقة أن ترقى أحيانا إلى مستوى الدلال، لأن تونس في هذه الحالة تسكن القلوب.

الأزمات التي تمر بها المنطقة أو تلك المحلية أو حتى العابرة والمفتعلة لن تؤثر في مسار حركة التاريخ بين البلدين

في القراءة السياسية للمواقف الأخيرة المرتبطة بالعلاقة بين الشعبين الجزائري والتونسي، لا يمكن التعويل دائما على العاطفة، لأن المصالح النفعية المباشرة أقوى، ومن هنا يمكن فهم المطالبة الجزائرية بإلغاء الضريبة، وما ترتب على ذلك من ضغط على السلطات الجزائرية، تجاوب معه وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة بالقول إنه سيتم العمل بمبدأ المعاملة بالمثل، جاء ذلك في رده على استفسار تقدّم به البرلماني لخضر بن خلاف، حول طريقة تعامل الحكومة مع الضريبة المفروضة على الرعايا الجزائريين الذين يغادرون التراب التونسي. وعلى خلفية الموقف الجزائري جاءت تصريحات مساعد رئيس البرلمان التونسي المكلف بالاتصال، المنجي الحرباوي، حيث قال “لقد تقرر إلغاء الضريبة المفروضة على المركبات الجزائرية المغادرة للتراب التونسي، والمقدرة بـ30 دينارا تونسيا، وذلك في أجل أقصاه 31 ديسمبر المقبل”.

الشادلي وبن علي.. والغنوشي

يمكن القول، وبناء على تجربة العلاقات الممتدة والثابتة بين البدين، إن الأزمات التي تمر بها المنطقة، أو تلك المحلية أو حتى العابرة والمفتعلة سواء من الداخل أو من الخارج لن تؤثر في مسار حركة التاريخ بين الدولتين، والتي تجسدت، اقتصاديا وجغرافيا، في عدد الاتفاقيات والبرامج التنفيذية المبرمة منذ 1963 بين البلدين، والتي تجاوزت 115 وثيقة.

ورغم التعاون الواسع بين الدولتين على المستويين الاقتصادي والصناعي (شركات مشتركة) وتكثيف التنسيق والتشاور بشأن ملفات التعاون الثنائي والقضايا السياسية محل الاهتمام المشترك، فإن ظهور جماعات الإسلام السياسي باعتبارها قوى فاعلة ومؤثرة وساعية إلى السلطة أوجد حالا من التوتر، وكانت البداية من الجزائر، وذلك حين أطلق الرئيس الأسبق الشادلي بن جديد مشروع التعددية السياسية عبر دستور فبراير 1989 والذي بموجبه تأسست الأحزاب السياسية في الجزائر. وقد سبب ذلك انزعاجا لدى تونس بقيادة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، إلى درجة أنه طالب الجزائر بحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لأن ظهور تيار الإسلام السياسي يشكل تهديدا لبلاده بعد أن عملت على حظر نشاطه.

وزاد في قلق الرئيس بن علي تواجد راشد الغنوشي والبعض من رفاقه في الجزائر، حتى أنه بعث رئيس وزرائه حامد القروي إلى الجزائر ليطلب رسميا تسليم راشد الغنوشي المحكوم عليه بالإعدام، لكن السلطات الجزائرية لم تستجب لطلبه، وإن كانت قد طالبت الغنوشي بمغادرة الجزائر، فلجأ إلى بريطانيا.

الخاسر الأكبر

على الرغم من الخلاف السابق بين النظامين، وهو عميق ومصيري، وجد الجيش الجزائري، حين أعلن حالة الطوارئ وحلّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية، وتعليق نتائج الانتخابات ثم إلغاءها، وبروز العشرات من الحركات الإسلامية المسلحة التي كان البعض منها يقوم بالهجوم على مواقع على الحدود التونسية الجزائرية، في تونس سندا قويا له. لقد بلغ التنسيق الأمني بين تونس والجزائر أوجه في تلك المرحلة، حيث كانت السلطات التونسية تسلّم عناصر متعاطفة مع الحركات الإسلامية الجزائرية فرّت إلى تونس، وبدورها الجزائر تسلم معلومات عن نهضويين تونسيين مروا بالجزائر.

وقد كانت هذه الأخيرة الخاسر الأكبر على المستوى الأمني بسقوط زين العابدين بن علي، وإن لم تعلن هذا، ومع ذلك فالجزائر اليوم تنسق مع الحكومات التونسية المتعاقبة منذ قيام الثورة وإلى الآن.

على العموم، هناك تعاون مشترك بين الدولتين في كل المجالات، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب، صحيح توجد حسابات مختلفة للدولتين، ومنها العلاقة مع الخارج، فرنسا والولايات المتحدة تحديدا، لكن تلك الحسابات المرتبطة بمصالح كل دولة لن تكون أقوى من تداخل الجغرافيا وميراث التاريخ، وبالتالي لن تؤثر عليها رسوم أو ضرائب طال أجلها أم قصر.

كاتب جزائري

6