العلاقات الجزائرية الفرنسية.. طموح كبير وشك مزمن

الأحد 2017/12/10
صفحة جديدة تكتب

الجزائر - حقق رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى ندية نسبية لم تظهر منذ سنوات طويلة في تاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية، عندما ظهر أمام وسائل الإعلام، عقب انتهاء أشغال اللجنة المشتركة بين البلدين الخميس الماضي، متمسكا بمواقف بلاده في المسائل الخلافية بين الجزائر وباريس. وتكلم أويحيى بلسان عربي فصيح فاجأ الصحافيين الذين كلفوا بتغطية أشغال الندوة.

وأعدت اللجنة المشتركة ملفات 22 اتفاقية تعاون بين البلدين سيتم توقيعها خلال زيارة منتظرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وعبر أويحيى عن تمسك بلاده بمقاربتها للعلاقات المنشودة مع الفرنسيين، في حضرة نظيره إدوارد فليب، لا سيما في شقها المتعلق بالخلفية التاريخية والذاكرة الجماعية.

ويرى فريد بن يحيى أستاذ العلاقات الدولية أن “العلاقات الجزائرية -الفرنسية تلفها خصوصية مميزة وأن زيارة ماكرون لبضع ساعات جاءت لتحضير الرأي العام في البلدين والتمهيد لمقاربة جديدة ينوي التأسيس لها في علاقة بلاده مع الجزائر، وهو الأمر الذي يستشف من الرسائل السياسية والدبلوماسية التي روج لها يمينا وشمالا”.

وأضاف “رسائل ماكرون تؤسس لمعالجة مرضية لملف التاريخ والذاكرة الجماعية”. وتابع قائلا “إن زيارة الدولة المنتظرة لماكرون للجزائر في فبراير القادم ستكون إعلانا لحصيلة شهور من المفاوضات بين المسؤولين في مختلف الملفات، بما فيها المسائل الخلافية الحساسة بين البلدين”.

وحملت رسائل ماكرون رؤية جديدة لتاريخ العلاقات بين البلدين من خلال توقفه في مقهى “ميلك بار” بوسط العاصمة الجزائرية، الموجود على مقربة من تمثال مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الأمير عبدالقادر، باعتباره كان هدفا لعمل فدائي لعناصر ثورة التحرير الجزائرية.

ووضع ماكرون مسألة علاقة مستقبلية لـ”الحركيين” (خونة ثورة التحرير) بوطنهم الأصل (الجزائر) كمقابل للتنازلات التي تعكف فرنسا على تقديمها في هذا المجال للجزائر، مما يعكس الرؤية التي يراد التأسيس لها من طرف إدارة الإليزيه.

وكشف أويحيى في الندوة الصحافية عن افتكاك الجزائر لمطلبين من بين مطالبها في ملف التاريخ والذاكرة الجماعية، وهما استرجاع جماجم مقاومي وقادة المقاومة الشعبية في أواسط القرن التاسع عشر، الموجودة بمتحف الإنسان بباريس، إلى جانب الحصول على نسخة من الأرشيف الجزائري للفترة ما بين 1830 و1962 الموجود في فرنسا والذي يقدر بنحو 600 طن.

الزيارة المنتظرة لماكرون للجزائر ستكون إعلانا لحصيلة أشهر من المفاوضات في مختلف الملفات، بما فيها المسائل الخلافية الحساسة بين البلدين

وكشف الطيب زيتوني وزير المجاهدين الجزائري، عشية زيارة ماكرون، عن “مطالب الجزائر من الفرنسيين في ما يتعلق بالتاريخ والذاكرة الجماعية والمتمثلة في استرجاع جماجم المقاومة من متحف باريس وملف ضحايا التفجيرات النووية في الجنوب واسترجاع الأرشيف والمفقودين، فضلا عن الاعتراف والاعتذار الرسمي عن الحقبة الاستعمارية (1830- 1962)”.

وحمل تصريح الوزير الجزائري موقفا حكوميا رسميا لافتا وضع أمام ماكرون مقابل الذهاب إلى علاقات ومصالح مشتركة وطموحات تتخلص من الشك الذي هيمن على علاقات البلدين طيلة العقود الماضية، لكن أويحيى اعترف في باريس بتعقيدات الملف ووصفه بـ”غير السهل”.

ويرى باحثون في العلاقات الجزائرية -الفرنسية أن قولة الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين “علاقات الجزائر مع فرنسا تكون جيدة أو سيئة لكن لن تكون عادية” تختصر التعقيدات التي تميز علاقات البلدين. كما يلعب مخزون الذاكرة وماضي البلدين دورا كبيرا في تحديد صيغة مستقبل العلاقات بينهما، وهو ما يعكس حالة الشك المزمن مقابل ارتفاع سقف الطموحات.

ويرى الباحثون أن الأوضاع الإقليمية والأزمات في مالي وليبيا ومحاربة الإرهاب ستلقي بثقلها على مقاربة إرساء علاقات جديدة، خاصة في ظل تضارب مواقف البلدين بشأن لعبة المصالح والنفوذ.

وعبر أويحيى عن رفض الجزائر الانضمام إلى القوة العسكرية لمكافحة الإرهاب بالساحل الأفريقي بقيادة فرنسا.

وأعلن الرئيس الفرنسي في يوليو الماضي إنشاء قوة عسكرية لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي تضم دول المنطقة الخمس؛ وهي مالي والنيجر وموريتانيا وتشاد وبوركينافاسو. وتم استثناء الجزائر من المبادرة رغم الحدود البرية المشتركة لها بالمنطقة.

وصرح أويحيى “الجزائر لها مانع دستوري في الانضمام إلى هذه القوة العسكرية، فالدستور يمنع قوات البلاد المسلحة من العمل خارج الحدود”.

ويرى متابعون أن باريس وظفت هذا الأمر لسحب البساط من تحت أقدام الجزائر في المنطقة، رغم تقاسمها لشريط حدودي يقدر بأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر مع النيجر ومالي وموريتانيا المنخرطة في المبادرة.

وأكد أويحيى أن عدم انضمام بلاده إلى القوة “لا يمنع من أننا نواصل العمل كما فعلنا من قبل في المجال الأمني وسنواصل تقديم الدعم اللوجستي للجهود الفرنسية في الساحل لوقف زحف الجماعات الإرهابية”.

وأضاف أن “الجزائر انخرطت في الحرب على التنظيمات الجهادية، حيث خصصت خلال الثماني سنوات الماضية 100 مليون دولار لتدريب 12 قوة خاصة لدول الساحل من موريتانيا حتى تشاد إلى جانب منح هذه الدول عتادا عسكريا ولوجيستيا”.

وتابع “هناك أيضا منذ عشر سنوات إطار للتعاون بين الجزائر وجيرانها في الساحل في المجالين العسكري والأمني ويضم قادة أركان هذه الجيوش للتنسيق في مكافحة الإرهاب”.

وأنشأت الجزائر “مبادرة دول الميدان” في 2010، التي تضم رؤساء أركان جيوش دول الساحل الأفريقي خاصة مالي والنيجر وموريتانيا. وفشلت المبادرة في تفعيل أجندتها وأهدافها.

2