العلاقات الخليجية المصرية: مرحلة جديدة من التعاون

الثلاثاء 2014/06/24

ينظر العالم العربي بمزيج من الإعجاب والفضول، والعالم الغربي بشيء من الاستياء الضمني، إلى الموقف الصلب والموحّد الذي اتخذته دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية حيال الحدث المصري منذ اللحظة الأولى لعزل الرئيس السابق محمد مرسي وصولاً إلى لحظة تنصيب الرئيس الجديد عبدالفتاح السيسي. إذ لم تكن في السجل السياسي والدبلوماسي للدولتين سوابق مماثلة في الاندفاع إلى قرارات حاسمة وخيارات محسومة للانحياز إلى نهج حكم معيّن والتصميم المؤكد على دعمه وإنجاحه، برغم الصعوبات والتحدّيات المعروفة مسبقاً. وما يبدو في الصورة موقفاً إماراتياً سعودياً يحظى أيضاً بمشاركة وتأييد من الكويت والبحرين، مما يجعله توجّهاً خليجياً.

على خلفية أزمة تاريخية تكاد تكون جراحية، ومآخذ غربية بعضها مفهوم وبعضها الآخر مثير للارتياب، انتُخب إذاً رئيس جديد في مصر، وبدأت مسيرة جديدة لتعزيز شرعية الحكم. وعلى الفور افتتح الرهان على نجاح هذا الرئيس، ليس في محاربة الإرهاب وتوطيد الأمن وتحريك الاقتصاد وإشاعة الوئام الاجتماعي فقط، بل في ترميم الاستقرار واستعادة الدور الطبيعي والاعتيادي لمصر على المستويين العربي والإقليمي أيضا. وفي مختلف مداخلاته الإعلامية لشرح أفكاره وبرنامجه، أظهر الرئيس السيسي أنه ينطلق من مراجعات عميقة لتجارب من سبقه من الرؤساء، ومن معرفة عميقة بمخاطر الواقع المصري وما ترتّبه من واجبات ومسؤوليات، وكذلك من وعي بقدرات مصرية غير مستغلّة أو مهدرة.

في كل ذلك ما يمكن أن يطمئن الداعمين الخليجيين مبدئيا إلى أنهم إزاء مسؤول مدرك أن لديه خيارا وحيدا هو الإنجاز والنجاح، لا لمجد شخصي فحسب بل – وهذا الأهم – لانتشال اقتصاد مصر من انهيار بلغ حدّا لم يعد مقبولا. وفي هذه الدوافع التي كرّرها السيسي، مستنهضاً المصريين قبل سواهم، ما يُشعر الخليجيين أيضاً بأن “استثمارهم” الاختياري، السياسي والاقتصادي، في مصر سيحطّ هذه المرة في المكان واللحظة الصحيحين. ولعل المقارنات التاريخية تفيد في فهم مغزى الموقف الخليجي الحالي، إذ إنه لا يختلف كثيرا عما كان في عام 1967 غداة النكسة، أو في عام 1973 واستخدام “سلاح النفط” بعد “حرب أكتوبر”، فمصر اليوم تسعى إلى الخروج من أزمة تجاوزت مفاعيلها السياسية وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية ما عاشته بعد هاتين الحربين.

ثمة جديد مهم في هذه المرحلة، وهو أن دول الخليج تغيّرت ولم تعد كما كانت في ستينات القرن الماضي أو سبعيناته أو حتى كما كانت مطلع التسعينات إبان أزمة احتلال الكويت، أي في بدايات التنمية وبواكير وعيها بمكانتها وثقلها ودورها وعلاقاتها الدولية المتشعّبة، بل إنها باستقرارها وثرواتها تمثّل حالياً الدعامة الرئيسية للعالم العربي، وهو ما تأكد في ظل الاهتزازات والتحوّلات الحاصلة والمستمرة. ولذلك يبدو الوقوف مع مصر في عثرتها مبادرةً لا بد منها، ليس بدافع النخوة العربية التي تحتّم نجدة الشقيق فقط، بل انسجاماً مع مصلحة استراتيجية أيضاً. فللمرة الأولى يبدو بالغ الوضوح لديها أن استقرار مصر أساسي لاستقرار المنطقة، وأن مصر عنصر توازن لا بدّ منه في الإقليم.

والمؤكد أن اقتراح العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدعوة إلى مؤتمر دولي للدول المانحة دعماً للاقتصاد المصري لا يعبر عن حاجة إلى مساهمات مالية بمقدار ما يرمي إلى إعطاء دفعة للاستثمارات الدولية في مشاريع التنمية المصرية. فالإعداد الجيد لهذا المؤتمر، سواء بتحضير مصر لملف مستوحى من خطة شاملة وممرحلة أو بالتسويق الجيّد من الجانب الخليجي، يمكن أن يمثّل خطوة واسعة لتجاوز تردد المجتمع الدولي ومخاوفه ويوفّر الضمانات التي تحتاج إليها السوق المصرية في هذه المرحلة الدقيقة. ثم إن العلاقة التي كانت خاصة ومميزة سابقاً، ضاعفت خصوصيتها وتميّزها خلال الشهور الماضية، قد تمنحها الضرورات السياسية فرصة بلورة نموذج للتعاون لم يسبق أن اختُبر قبل الآن.

ليس سرّاً أن وراء هذا الاندفاع الخليجي نحو مصر سببين على الأقل، فبمقدار ما اعتبرت دول الخليج أنها خذلت عبر سقوط/ إسقاط الرئيس السابق حسني مبارك، بمقدار ما ساءها أن “الربيع العربي” وثوراته والتحوّلات التي فرضها بدأت شيئاً وصارت سريعاً شيئاً آخر مع صعود فصائل تيار الإسلام السياسي ووصولها بأساليب مختلفة إلى السلطة. ولم تجد دول الخليج صعوبة في استشعار بروز جماعة “الإخوان المسلمين” في مجتمعاتها مستقوية خصوصاً بوقوع الحكم المصري في أيدي “الجماعة”، لذلك وجدت في عزل الرئيس “الإخواني” وإعادة قادة “الجماعة” إلى السجن فرصة تاريخية يجب استثمارها والبناء عليها. ويُستدلّ من ردود الفعل التي اختزلتها برقية التهنئة، التي وجهها العاهل السعودي إلى الرئيس السيسي بمناسبة انتخابه، أن دول الخليج تعتبر ما حصل في مصر إنهاء لوضع “فوضى الضياع″ و”المصير الغامض” الذي أفضت إليه الثورات. كما عبرت البرقية عن تجاوز خليجي لمرحلة مبارك واستعداداً للانخراط في تأسيس مرحلة السيسي الذي كرر مراراً خلال الحملة الانتخابية، وبلهجة حازمة، أن “مرحلة الإخوان انتهت”.

ذلك هو السبب الأول للاندفاع الخليجي، وهو مرتبط برؤية للاستقرار السياسي والاقتصادي بعيداً عن النهج العقائدي والتجريبي للإسلاميين. أما السبب الآخر فيتعلق بالخلل الاستراتيجي الإقليمي وتقدّم إيران لملء الفراغ الذي تركه العرب مرغمين أو عاجزين. وفي المقابل هناك احتمالات لأن تتوصل الولايات المتحدة وإيران إلى “صفقة” تعقب أي اتفاق على لجم البرنامج النووي وتقرّ لطهران بما حصّلته من نفوذ في العراق وسوريا ولبنان وتتغاضى عن تدخلها في اليمن والبحرين وغزة. وبموجب هذا التحليل للأوضاع أدركت دول الخليج الحاجة إلى مصر في المعادلة، وضرورة تمكينها من ضبط شؤونها الداخلية لتعود إلى ممارسة دورها الإقليمي. وفي ضوء ما تكشّف في العامين الماضيين يمكن القول إن هذين السببين متداخلان، نظراً إلى الأجندات الخفية التي حملتها الفصائل الإسلامية الرئيسية، والعلاقات المشبوهة التي ارتبطت بها مع أطرافٍ دولية وإقليمية. ولعل الخطر الأكبر تمثّل في أن المجموعات الإرهابية على اختلاف تصنيفاتها وجدت في “صعود الإسلاميين” مرتعاً وبيئة مناسبين لتغلغلها كي تصبح جزءاً من النسيج الاجتماعي لبلدانها. والواقع أن خطاب “الحكم الإخواني” وممارساته في مصر لم تغذِّ لدى دول الخليج سوى القلق والشكوك، وبالتالي تبلور لديها اقتناع بأن “تصحيح المسار” عربياً لا بدّ أن يبدأ في مصر.

بديهي أن الحسابات هنا تتعلّق بالمستقبل، وأنها ليست عسكرية فحسب وإنما سياسية في المقام الأول بغية وقف الانهيار العربي أولاً، ومعالجة الخلل ثانياً، ووضع حد لتنافس الدول الإقليمية الأخرى على الاستئثار بالهيمنة على العالم العربي. ومن شأن الدعم الخليجي أن يقلّص فترة انكفاء مصر وانشغالها بشؤونها الداخلية، ذاك أن جانباً من استقرارها الداخلي يتوقف أيضاً على شعورها بأن موقعها الإقليمي استعاد عافيته. ثمة مجالات كثيرة لتعاون مصر ودول الخليج طالما أن الصورة باتت الآن أكثر وضوحاً وكذلك تكامل السياسات والقدرات.

6