العلاقات السعودية المصرية بين عمق الماضي واستراتيجيات القادم

الأحد 2014/09/14

حين تقف أمام مشهد العلاقات السعودية المصرية فإنك تجدها قديمة قدم الوعي العربي بأهمية الوحدة العربية. بداياتها كانت على يد الملك عبدالعزيز ونظيره الملك فاروق، حيث انطلقت أسس العلاقة باحترام سيادة كل دوله دون تأثر بما كان من محاولات غير مسؤولة من محمد علي باشا متعاطفا مع الأتراك ضد السعوديين.

زارني أستاذ التاريخ العثماني في جامعة عين شمس بالقاهرة الدكتور حرب، في مكتب الحرس الوطني بالقاهرة، وكان لديه مشروع (إعادة كتابة التاريخ العثماني) ويرغب مشاركة بعض الجهات السعودية في هذا المشروع. القدرة على التجاوز من الطرف السعودي تعكس رغبة الملك عبدالعزيز رحمه الله في تجاوز آثار سلبيات الماضي إلى حيث أفق العمل السياسي بكل إيجابيّاته خاصة أن المصالح المشتركة بين البلدين متنوعه.. ولا ننسى مقولة الملك عبدالعزيز الشهيرة (لا غنى للعرب عن مصر ولا غنى لمصر عن العرب).

استمرت العلاقات السعودية المصرية بعمق مهم وحيوي ومؤثر في الكثير من المواقف العربية والناتج أن تلك العلاقة جعلت من البلدين محورين مهمين في بناء الوحدة العربية لم تخل منه بعض المطبات الخلافية أبرزها كان بعد زيارة السادات التاريخية لإسرائيل والتي اتفق العالم العربي فيها على مقاطعة مصر وهنا تجلت حكمة الملك خالد في اجتماعه مع الأمراء فهد، عبدالله، سلطان، نايف، سلمان، سعود الفيصل، حين اتخذ القرار الحازم بالمقاطعة دون ترحيل العاملين المصريين من السعودية مع أن هناك تعهدا من صدام حسين وحافظ الأسد بتعويض السعودية بالأيدي العاملة التي يتم ترحيلها خلال أربع وعشرين ساعة. وكان الموقف الأول أيضا من الملك فيصل مع السادات في حرب أكتوبر بإيقاف النفط في قرار عربي جريء.. لدعم الحرب العربية الإسرائيلية والتي انتصرت فيها مصر واستعادت صحراء سيناء.

الملك فيصل مع الرئيس عبدالناصر كم يرويها معالي الأستاذ أمين هويدي، وزير الاستخبارات المصرية في عهد عبدالناصر أثناء زيارته لي في مكتب الحرس الوطني السعودي في القاهرة، حيث يقول: “أثناء مؤتمر الخرطوم ونحن في انتظار الملك الحسن الثاني للتصالح بين فيصل وعبدالناصر فوجئنا بدخول الملك فيصل المفاجئ وكان العناق الحار والعاطفي بين الرجلين مما دفعنا إلى الخروج من الصالة وتركهما وحدهما.. الجميع يعرف موقف الملك فيصل مع شقيقه الرئيس عبدالناصر بعد نكسة 67″.

في جميع مراحل العلاقات بين مصر والسعودية تميزت باحترام سيادة كل دولة والوقوف معها بكل ما تستطيع، ففي حرب الخليج الثانية كان الجندي المصري بجانب أخيه السعودي للدفاع عن حدود المملكة العربية السعودية. والموضوعي في قراءته للتاريخ لن ينكر دور الأخوة المصريين في المشاركة في البناء التنموي وخاصة في قطاع التعليم مقابل مساهمة فاعلة أيضا للسعودية في دعم دائم للاقتصاد المصري، ولعل عودة مصر للمنظومة العربية بعد المقاطعة كانت بمبادرة من المملكة العربية السعودية.

استمرت العلاقات السعودية المصرية في تكوين عمق استراتيجي مهم وحيوي مما جعل منهما محور القوة والنفوذ في العالم العربي والإسلامي ولعل المتابع اليوم لدورهما في إعادة التوازن للعالم العربي مع حالة الفوضى نتيجة ما يسمى الربيع العربي يؤكد قوة نفوذهما وتكامل الأطوار بينهما..، حيث كانت الرسالة الأكثر وضوحا في تأكيد عمقها وأيضا وحدة أهدافها في المرحلة الحالية وهي مرحله مهمة للأمة العربية عموما زيارة خادم الخرمين الشريفين الملك عبدالله لمصر ولقاء الطائرة مع الرئيس المصري السيسي وهو لقاء مهم بل وعالي الأهمية رغم قصر مدته الزمنية، وكأنه ينفّذ وصية والده الملك عبدالعزيز.

المعطيات الحالية للمشهد العربي بكل تنوعاته فرض على السعودية ومصر استعادة زمام القيادة خاصة في هذه المرحلة الهامة والنوعية من تاريخنا العربي.. مما يعني معه ضرورة وجود برامج مسانده للدور السياسي من خلال مركز دراسات أو راصد يقوم على الدراسات التتبّعية والاستشرافية لرصد تاريخ علاقات البلدين من القدم واستشراف ركائز القوة في العلاقات المستقبلية وتقاطع تلك المصالح في مختلف القطاعات وعلى كافة المستويات على أن يدعم بعناصر بشرية من البلدين من الرموز الثقافية والفكرية والأكاديمية والإعلامية..، حيث يشارك هذا المركز في بناء استراتيجية للأمن الفكري للمجتمعيْن لحمايتهما من أي فكر متطرف.. وأيضا يساهم بأطروحاته المتنوعة من دورات ومؤتمرات ورسائل إعلامية وإصدارات ثقافيه ببناء فكر جديد يستند على الدين الإسلامي الوسطي المعتدل.. وأيضا يؤسس لثقافة عربية جديدة تحترم الاستقلالية الوطنية وتكرس ثقافة الوسطية وتساهم في بناء اتجاهات فكرية معتدلة داخل المجتمعين السعودي والمصري.

لهذا أرى أنه وجب على المفكرين والمثقفين والنخبة من الشعبين السعودي والمصري عمل كيان يساهم في المحافظة على هذه العلاقة بل تطويرها وهذا الكيان يكون مستقلا في عمله وقراراته. وأرى أنه من الأفضل أن يعتمد على دعمه المالي عن طريق الشركات والمؤسسات في البلدين وما أكثرها خاصة التي تستثمر في البلدين. أعرف أن هناك تحركا وجهودا فردية تعمل لتحقيق هذه الفكرة أتمنى أن تجد الدعم والمساندة.


*مدير مكتب الحرس الوطني السعودي بالقاهرة سابقا، عضو مجلس هيئة حقوق الإنسان والمشرف على مركز النشر والإعلام بالهيئة سابقا، أستاذ علم النفس المشارك بكلية الملك خالد العسكرية بالحرس الوطني.

4