العلاقات العربية الباكستانية: نحو استراتيجية بناء جديدة يحكمها الحذر

تحظى العلاقات العربية الباكستانية بأهمية قصوى في ظل ما يشهده العالم عموما ومنطقة الشرق الأوسط تحديدا من تغيرات وتحولات متسارعة ارتفع معها سقف التحديات ليتكاتف فيه الاقتصادي والأمني والاجتماعي. وعلى الرغم ممّا تميزت به تلك العلاقات من تجذّر وصداقة تاريخية إلاّ أن التعامل مع تلك التحولات بات يهددها أحيانا بالتفكك جراء اختلاف المواقف من قضايا إقليمية مركزية شأن موقف “الحياد” الذي اتخذته إسلام آباد من عاصفة الحزم العربية في اليمن، مما بات يفرض على الدول العربية إعادة النظر في كيفية بناء تحالفاتها مع هذه الدولة في سياق الوعي بالضغوط المسلطة عليها دون الانزلاق إلى ردود الأفعال غير المحسوبة.
الاثنين 2015/10/05
السعودية لطالما كانت صديقا وحليفا استراتيجيا دائما لباكستان

تعتبر باكستان نموذج الدولة التي راكمت في مسيرتها تجارب غنية في مواجهة أزمات مختلفة؛ فالبلد واجه الهند في ثلاث حروب مدمرة، ثم عانى من انفصال مؤلم في منطقته الشرقية، أسفر عن استقلال بنغلادش في عام 1971، فضلا عن قيام عدة حروب أهلية في البنغال الشرقي ومنطقة البلوشستان وكشمير.

وظل تاريخها السياسي يتأرجح بين حكمين عسكري ومدني، يتخلله عدم استقرار سياسي حاد تعرضت فيه الديمقراطية في ثاني أكبر بلد إسلامي من حيث عدد السكان إلى هزات عنيفة وضعتها على المحك، وقد صاحب ذلك اختلال أمني في عدة مناطق شأن وزيرستان والقبائل والحزام الشمالي الغربي. لكن وعلى الرغم من ذلك فقد حافظ هذا البلد على تماسكه وعلى سيطرته على إقليمه ونظامه الفدرالي، ووقف في وجه عواصف عدم الاستقرار السياسي، ومنع التنظيمات الإرهابية من تثبيت أقدامها في أيّ إقليم من أقاليمه رغم تصاعد وتيرة تهديداتها ومخاطر نشاطها على أراضيه.

وقد أسهمت جلّ هذه الظروف مجتمعة في إيلاء باكستان عناية خاصة من قبل البلدان العربية التي ترى فيها نقاطا كثيرة تساعد على الالتقاء معها مما أسهم في بلورة علاقات تاريخية بين الطرفين، باتت اليوم في ظل التحولات الجديدة بحاجة إلى المراجعة.

تكتيكات متغيرة

على الرغم من أنّ تاريخ باكستان لم يكن هادئا طوال عقود، إلاّ أنّه ومنذ عام 2010 ظهرت تحديات داخلية كبرى، أضيفت إلى ما سبق، تمثّلت في تصاعد مد الحركات الإسلامية المتطرفة والإرهاب، بالإضافة إلى أزمة اقتصادية خانقة جعلت من الجدل حول الهوية الإسلامية قضية اجتماعية في ظل تنامي الفقر وتغوّل شبح البطالة، كما عرفت البلاد عددا من الكوارث الطبيعية المدمرة. وأضحت الوضعية الباكستانية، في خضمّ ذلك، تجسّد نموذجا جليا لجملة الأخطار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية التي يمكن أن تعصف بـ”الدولة الوطنية” وتفكك عرى لحمتها. وتتمثل تلك الأخطار اليوم في منازعة القوى الإسلامية المتطرفة لشرعية الدولة الوطنية، وظهور طالبان باكستان كظاهرة محلية ترفع حكم الشريعة حيال حكم الاقتراع الحر وسيادة الشعب، علاوة على تراجع لحمة الوحدة الوطنية أمام تصاعد النعرات القبلية والمناطقية والمذهبية. أمّا على مستوى العلاقات الدولية، فقد أملى عليها تموقعها وجملة التهديدات والأخطار المحيطة بها، سياسة متقلّبة شديدة البراغماتية، فرضت عليها الدخول في عدّة محاور إقليمية متعارضة ونهج تكتيك عدم الثبات في تحالفات قارة.

وقد خلّفت شبكة علاقاتها التكتيكية مع محيطها الإقليمي والدولي المتعددة والمتناقضة أحيانا، سواء في تحالفها مع أميركا أو مع الصين أو الشراكة مع تركيا أو التّقارب مع إيران، آثارا كبيرة على علاقتها مع العالم العربي، الذي يرقى إلى مصاف حليفها الحضاري والتاريخي.

تموقع باكستان وجملة التهديدات والأخطار المحيطة بها أمليا عليها سياسة متقلبة شديدة البراغماتية

و قد أثار موقف باكستان من عاصفة الحزم، أسئلة كثيرة لدى المتابعين حول مدى تشبثها بتحالفات ثابتة ومبدئية، مفادها؛ هل أنّ تغيرات الوضع الإقليمي والدولي، والخوف من قيام صراع بين الطوائف والمذاهب في نسيجها الاجتماعي، باتا يمليان عليها اليوم إحداث تغيير كبير في السياسة الخارجية مع حلفائها العرب التقليديين، أم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون سحابة صيف فرضتها عوامل داخلية وخارجية؟

وكثيرة هي المواقف الباكستانية التي تغلب التكتيك البراغماتي في الساحة الإقليمية والدولية، بعد أن ازداد اللجوء إليه في السياسة الخارجية الباكستانية، وهو ما بات يهدد كثيرا من تحالفاتها التقليدية وينبئ بإفراغها من مضمونها، لتصبح وكأنها لم تكن يوما، مهما كانت الروابط التاريخية التي أفضت إليها وأحكمت وثاقها، خاصة في ظلّ التغيّر الملحوظ الذي بات يلفّ السياسة الباكستانية العربية.

علاقات متضاربة

دخلت باكستان في شبكة تحالفات الولايات المتحدة الأميركية الموجهة ضد الشيوعية في العام 1954، حيث تأرجحت هذه العلاقة بين تحالف قوي في عهد الرئيس ريغان وعتاب متواصل أثناء قيام الحرب الرابعة بين باكستان والهند سنة 1999 وانقلاب الجنرال برويز مشرّف على الحكم مما أنتج حالة من الفتور. لكن ذاك الفتور الذي اعترى هذه العلاقة مع انهيار الاتحاد السوفييتي، عاد إلى سابق أوجه بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، حيث تدفقت المعونات الأميركية على باكستان، وعرف التنسيق الاستخباراتي بين البلدين تعاونا وطيدا، فقد رفعت العقوبات على باكستان، وحصلت إسلام آباد ما بين 2002 و2011 على التوالي على 14 مليار دولار و5،7 مليار كمساعدات عسكرية ومالية من واشنطن، قدّمت باكستان مقابلها دعما لوجيستيا هامّا أسفر عن القبض على أعضاء في القاعدة، إلاّ أنّ عدم الإيفاء بالوعود الأميركية بدعم القوة الاستراتيجية الباكستانية في وجه الهند بشكل فعّال، هو ما دفع باكستان إلى استخدام ورقة طالبان وشبكة حقاني وحركة لشكر طيبة في محاولة التحكم في أفغانستان، واستنزاف الهند في كشمير.

وتوازيا مع العلاقات الباكستانية الأميركية، تشكل الصين في عرف السياسة الخارجية الباكستانية ” الأخت” و”الصديقة الدائمة” كما هو معهود دائما في التصريحات الثنائية الصادرة عن الطرفين، حيث قدمت الصين دعما للبرنامج النووي العسكري والمدني الباكستاني من البداية، فيما يشهد التعاون العسكري بينهما أوجه بعد تقديم بيكين طائرات عسكرية مقاتلة لإسلام آباد. ولطالما كانت الصين طرفا مساندا قويا لباكستان في كشمير وفي مناهضتها للهند، لكن دون الدخول على الخط بشكل مباشر في أيّ من الحروب التي قامت بينهما، كما بلغ ميزان التبادل التجاري بينهما حوالي 12 مليار دولار.

والواقع، أنّه من خلال جمعها بين تحالف مع الصين وآخر مع أميركا، يتبيّن كيف تسعى إسلام آباد إلى تنويع خارطة تحالفاتها الاستراتيجية واستعمالها بطريقة براغماتية؛ ففي الوقت الذي تمدّ فيه يدها بقوة إلى بيكين تصف علاقتها بواشنطن بـ”الزواج الكاثوليكي” الأبدي، الذي يستحيل معه الطلاق مهما كانت درجة الخلافات والغضب، وهو ما يكشف بقوة عن الطبيعة التكتيكية والبراغماتية التي تقود شبكة المحاور الخارجية الباكستانية.

9 مليارات دولار قيمة المبادلات التجارية القائمة بين باكستان ودولة الإمارات

علاقة أخرى لا يمكن فهمها خراج هذا الإطار البراغماتي الباكستاني، هي علاقة التقارب الباكستاني الإيراني الذي لا يمكن فهمه بدوره من دون وضعه في دائرة توازن تُمليه “دبلوماسية الخوف المشترك”، حيث تخشى إيران من استخدام باكستان لحركة “جند الله” المعادية لها، والمدافعة عن حقوق البلوش الموزعين بين حدود البلدين، وتواجه هذه الحركة السنية التمدد الشيعي برفع ورقة الانفصال، نظرا لما تعانيه من تمهيش تاريخي من قبل طهران، والذي ازدادت وتيرته بعد تشكيل حركة جيش العدل في ديسمبر 2010 في بلوشستان إيران. وتتهم طهران باكستان بالسكوت على دعم حركة طالبان لهذه الحركة الجهادية والانفصالية. بالمقابل، تخشى باكستان استعمال إيران للطائفة الشيعية التي تشكل حوالي 20 بالمئة من العدد الإجمالي لسكانها في تغذية الصراعات المذهبية كما تفعل مع البلدان العربية في الشرق الأوسط، سيما بعد اندلاع العديد من الصدامات الطائفية في كراتشي والسند والبنجاب وبلوشستان وروالبندي، والتي بلغ عدد ضحاياها أكثر من 4500 ضحية. وقد دفع هذا الخوف المشترك كلا من باكستان وإيران إلى العمل على منع تفجر الموقف بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، حيث يتوخيان من خلاله تقوية الحركة التجارية لكي تبلغ حوالي 5 مليارات دولار.

كما أن الصين ألقت بثقلها في مد جسور هذا التقارب والدفع به عبر تقديم استثمارات مالية فاقت ملياري دولار، وهو ما يتمثل في استراتيجية “إحياء طريق الحرير” وربط البلدان المجاورة به، حيث ما لبث أن انعكس هذا التقارب بشكل سريع في تصريحات باكستان بالدعوة إلى تسوية سلمية في اليمن، والاكتفاء بالتّضامن مع دول الخليج وبما يحفظ أمنها، فيما كانت زيارة وزير الخارجية الإيراني تسعى إلى تحييد باكستان في عاصفة الحزم وعدم مشاركتها فيها، وهو ما شكل لعبة ضغط مكشوفة مارستها إيران بعد التأخر في تنفيذ بناء خط الغاز المشترك من الطرف الباكستاني، واحتمال مواجهته بمطالب تعويضات مالية، فيما اكتفت باكستان بإرسال وفد رفيع المستوى، مؤكدة على العلاقة الوثيقة بينها وبين الرياض. لكن التريث الذي طبع موقف باكستان وإن كان مردّه المعلن عدم دفع الساحة السياسية الداخلية إلى مشاحنات بين السنة والشيعة، والرضوخ لعدم ترحيب الشارع السياسي الباكستاني ونخبه بالتدخل الباكستاني، فإن ذلك يصب حتما في تغير استراتيجية الشراكة الأمنية التي ربطتها مع بلدان الخليج العربي.

باكستان والعالم العربي

ارتبطت باكستان أو “الأرض النقية” كما كانت تسمى قديما بالجزيرة العربية منذ عهد الخلافة الأموية، حيث لعب الجوار الجغرافي الممتد عبر السواحل البحرية (1046 كلم) على طول بحر العرب وخليج عمان، دورا كبيرا في تقوية هذا الرباط التاريخي بالقارة الهندية. ولطالما ارتبطت باكستان الحديثة بعلاقة قوية مع بلدان الخليج العربي، وقد ظهر ذلك بصفة جلية في تحرير الكويت، وكذلك الدعم اللا محدود الّذي تلقته من المملكة العربية السعودية في فترات حرجة مرّت بها، كانت تُعاني فيها من فرض عقوبات اقتصادية عليها.

التقارب الباكستاني الإيراني لا يمكن فهمه دون وضعه في دائرة توازن تمليه دبلوماسية الخوف المشترك

ويعدّ التّقارب الديني والحضاري الإسلامي من مقوّمات هذه العلاقة التاريخية، والتي غذّتها المصالح التجارية واستقبال العمالة الباكستانية المهاجرة (حوالي مليونين من العمال) في البلدان العربية، حيث تصل المبادلات التجارية بينها والسعودية إلى حوالي 4 مليارات دولار، ومع الإمارت العربية المتّحدة إلى 9 مليارات دولار. كما قامت باستمرار بالعديد من المناورات العسكرية المشتركة، التي تشمل تبادل الخبرات.

وعلى الرّغم من عمق تلك العلاقات التاريخيّة، إلاّ أنّ المحك الذي تعرضت له، يفرض النظر إلى مؤشرات التحول في السياسة الخارجية الباكستانية على ضوء خارطة العلاقات الباكستانية إقليميا ودوليا، وكيف تفرض المحددات الداخلية والإقليمية والدولية بثقلها، خاصة وأن باكستان قدّمت دعما سياسيا قويا لتركيا في موقفها المناهض للإدارة المصرية الحالية عبر بيان دعم مطلق لحركة “الإخوان المسلمين”، تلاه موقف وزير الداخلية الباكستاني حول قرارات قضائية مصرية، لكن القرار الاستراتيجي تمثل في دعوة رئيس الوزراء التركي أحمد داود أغلو في فبراير 2015 إلى رفع مستوى التبادل التجاري بين تركيا وباكستان إلى 11 مليار دولار خلال السنوات المقبلة (مليار دولار حاليا في عام 2015)، وإقامة اتفاقية تجارة حرة في الاجتماع الرابع لمجلس التعاون التركي الباكستاني، فضلا عن قرار إجراء عدة مناورات عسكرية مشتركة، وما صاحب زيارة أحمد داود أوغلو من تأكيد شراء باكستان لطائرات “أتاك” التركية الهجومية.

والواقع أنّ هذه الشبكة المتداخلة مع عدّة قوى إقليمية ودولية معنية بما يجري في العالم العربي ولها خلافات مع الدول العربية الأساسية، بالإضافة إلى كون باكستان يُواجهها على الدوام خطر الهيمنة الهندية وتطور ميزان القوى بينهما وصراع النفوذ في آسيا الوسطى وخطر استغلال التطرف الإسلامي داخليا وخارجيا ودينامية التطورات الاقتصادية والسياسية والأمنية والإستراتيجية التي تعرف تحولات مُتسارعة، تفرض على العالم العربي إعادة تحديد الأهداف الاستراتيجية في شراكاته القائمة معها، ممّا يحول دون الغرق في وحل ردود الأفعال بعد فوات الأوان، حيث كان إعلان البرلمان الباكستاني نهج “الحياد” في 10 أبريل 2015 تجاه عاصفة الحزم، بمثابة جرس إنذار قوي للقيود التي ستكبل باكستان في تحالفها مع العالم العربي، وهي نابعة كلّها من هذه التحالفات المعقّدة، ولذلك يجب على الدول العربية أن تعي كيف تلعب على هذا الوتر وأن تتفهم المواقف في حينها وأن تسعى إلى إعادة التوازن في علاقاتها مع إسلام آباد بكثير من الحيطة والحذر.

ومن الثابت أنّ الوجه الآخر في شبكة المحاور التي تلعب على حبالها السياسة الباكستانية الخارجية، سيفرض عليها التعامل دوما بطريقة براغماتية ونهج تكتيك شديد الحذر، وطبع سياستها بطابع الحفاظ على امتلاك قنوات تواصل مستمرة تحافظ على تواصل في كل آن وحين مع جميع الفاعلين الإقليميين، واللعب على حبال مصالح “الحلفاء” و”الخصوم” على حدّ سواء، وذلك دون الوقوف مع هذا الطرف أو ذاك بشكل ثابت، إذا كانت مصالحهم متعارضة، فهي ستحتفظ بعلاقة قوية مع الولايات المتحدة الأميركية، ولكنّها تنسج على نفس المنوال مع الصين، وكذلك مع إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا، وهو ما يجب الإلمام به عربيا قي سياق بلورة أي استراتيجية بناء جديدة.

باحث جامعي، مركز تاريخ أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6