العلاقات المغربية الإسبانية واختبار الإرهاب

نقل المغرب خبرته في التصدي للجماعات الإرهابية وتفكيك الخلايا المتطرفة إلى الجانب الإسباني، كما ظهر ذلك في العديد من المحطات من خلال التنسيق مع الأمن الإسباني لتفكيك خلايا إرهابية داخل التراب الإسباني، وكذا في المدينتين المحتلتين.
الجمعة 2020/07/10
جهود كبيرة تصديا للإرهاب

لم يمر سوى أقل من أسبوع على إعلان العاهل الإسباني عزمه زيارة مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين، ثم إعلان التراجع عن القرار تلافيا لغضب الرباط، حتى أعلنت السلطات الأمنية المغربية عن تفكيك خلية متطرفة جديدة في مدينة الناظور، التي تبعد بضع كيلومترات عن مليلية، على ارتباط بتنظيم داعش. وتتكون الخلية من أربعة عناصر تتراوح أعمارهم ما بين 32 و51 سنة، أحدهم سبق أن اعتقل عام 2014 في ملف يتعلق بإرسال مقاتلين شبان إلى سوريا للالتحاق بالجماعات المسلحة.

هذه ليست المرة الأولى التي تعتقل فيها السلطات الأمنية المغربية خلية على صلة بتنظيم داعش، أو ببعض الجماعات المسلحة الأخرى في القارة الأفريقية في شمال المملكة، قريبا من المدينتين المحتلتين المتنازع عليهما بين مدريد والرباط، إذ سبق أن فككت العشرات من هذه الخلايا في مدن تطوان، وطنجة، والناظور وضواحيها منذ العام 2014 حين تم الإعلان عما يسمى “نظام الخلافة” في أجزاء من سوريا والعراق، على يد زعيم داعش المقتول أبي بكر البغدادي؛ لكنها المرة الأولى التي يعلن فيها عن تفكيك خلية إرهابية قريبا من مليلية المحتلة بتزامن مع الإعلان عن زيارة العاهل الإسباني، والإعلان بعد ذلك عن إلغاء الزيارة.

ومن شأن هذا التزامن أن يوجه رسالة سياسية وأمنية إلى الحكومة الإسبانية، مفادها أن تحريك الملفات التاريخية القائمة بين البلدين، والمسكوت عنها ضمنيا في إطار من “التفاهم الصامت” بين الرباط ومدريد، قد يقود إلى ضرب المصالح الأساسية التي تجمع بينهما، وعلى رأسها التنسيق المشترك في مواجهة التهديد الإرهابي في المتوسط. ذلك أن المغرب مفتاح أساسي في الأمن الداخلي والحدودي لإسبانيا، بل إن مدريد تدرك أن التعاون الذي أبداه المغرب في مجال مكافحة الإرهاب في الأعوام الأخيرة مكن السلطات الإسبانية من تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية فوق أراضيها، وداخل المدينتين المحتلتين، سبتة ومليلية.

وللمغرب علاقات تاريخية وديموغرافية قوية تجعله لاعبا رئيسيا في المعادلة الأمنية فيهما؛ يضاف إلى هذا الدور الذي تقوم به الحكومة المغربية منذ أكثر من عقدين في مكافحة الهجرة غير الشرعية نحو الضفة الشمالية للمتوسط، وكان المغرب قد وضع إستراتيجية وطنية شاملة لتسوية أوضاع المهاجرين الأفارقة ومحاولة إدماجهم، وذلك بهدف استبقائهم فوق التراب المغربي والحيلولة دون عبورهم نحو الضفة الشمالية. كل ذلك يشكل مغامرة مغربية عنوانها الشراكة مع الاتحاد الأوروبي من جهة والدولة الإسبانية من جهة ثانية.

ومن المناسب القول إن إسبانيا مدينة بشكل كبير في تصديها للإرهاب الدولي إلى كل من فرنسا والمغرب، سواء كان نابعا عن نزعة قومية كما هو الحال مع حركة إيتا الباسكية التي حلت نفسها نهائيا قبل نحو عامين، حيث كان التعاون الفرنسي مهما جدا في محاصرة مقاتلي الحركة في الشمال الإسباني، أو كان نابعا من نزعة دينية كما هو حال الجماعات الإسلامية المتطرفة، حيث كان التعاون المغربي مفتاحا في التصدي لها في الضفة الجنوبية للمتوسط.

في ضوء هذا، يبدو من الضروري أن تحرص إسبانيا على التفاعل الإيجابي مع المقترحات المغربية في ما يتعلق بالملفات ذات الصلة بوحدته الترابية، مثل قضية الصحراء أو قضيتي سبتة ومليلية والصخور المجاورة لمدينة الحسيمة في الشمال.

رغم ذلك، هناك في الجانب الإسباني من يريد ضرب إسفين في التقارب المغربي ـ الإسباني، وهو أمر ليس بالجديد، بل يمتد إلى عقود خلت. ولم ينه دخول إسبانيا عهد الديمقراطية، بعد رحيل الجنرال فرانكو عام 1975 وتولي الملك خوان كارلوس الحكم، التوتر التقليدي القائم بين البلدين، ذلك أن الديمقراطية لا تهزم التاريخ.

وكلما وصل الاشتراكيون إلى الحكم في البلاد كلما كان هناك من يسعى إلى فتح فجوة بين البلدين لفرملة سرعة التعاون بينهما، والأمر يتعلق باليمين المحافظ الذي لا يريد أن يُسقط اليسار الاشتراكي التحفظات التقليدية للمؤسسة الأمنية تجاه المغرب ويؤسس لعلاقات جديدة تصبح تقليدا معمولا به.

ويحرص هذا اليمين المؤثر في مواقع القرار على أن ينطبع دائما عهد الاشتراكيين بسمات خاصة تسيء إلى المغرب، ففي العام 2007 قام العاهل الإسباني السابق خوان كارلوس بزيارة لمدينتي سبتة ومليلية، أثارت جدلا واسعا بين البلدين دفعت القصر المغربي إلى التعبير عن استيائه بشكل علني؛ وقد كانت تلك الزيارة الرسمية الأولى والأخيرة لخوان كارلوس إلى المدينتين بعد إثنين وثلاثين سنة على توليه الحكم.

واليوم حصل نفس الأمر مع حكم الاشتراكيين، حيث تمت برمجة زيارة الملك فيليبي إلى المدينتين قبل التراجع عنها، وذلك بعد أقل من تسع سنين فقط على توليه الحكم.

وينبع قرار التراجع عن الزيارة وإلغائها، وليس فقط تأجيلها، عن إدراك عواقب التضحية بشريك أساسي ومهم في الضفة الجنوبية للمتوسط، التي تغرق في الظروف الحالية في تحديات أمنية وسياسية كبرى الاستثناء الوحيد فيها هو المغرب، الذي لا يتمتع باستقرار يتيح فرصا أوسع للتعاون الإقليمي والدولي.

ونقل المغرب خبرته في التصدي للجماعات الإرهابية وتفكيك الخلايا المتطرفة إلى الجانب الإسباني، كما ظهر ذلك في العديد من المحطات من خلال التنسيق مع الأمن الإسباني لتفكيك خلايا إرهابية داخل التراب الإسباني، وكذا في المدينتين المحتلتين.

9