العلاقات المغربية الجزائرية: أزمة مستقرة وتوتر يحتد ليتراجع

الجمعة 2015/01/02
الجزائر توظف البوليساريو لخدمة أهدافها

استقرت الأزمة في العلاقات المغربية الجزائرية منذ عشرات السنين. يخفت وقعها تارة، فيخيل للبعض أنه لا وجود لأية أزمة في سماء العلاقات بين البلدين، ويحتد تأثيرها، أحيانا أخرى، إلى درجة يذهب فيها البعض الآخر، إلى توقع حدوث الانفجار المسلح المفتوح في كل لحظة وحين.

لكن يبدو أن الجزائر قد استطاعت استغلال فرصة إنشاء جبهة البوليساريو الانفصالية في تدبير شؤون هذه الأزمة، تصعيدا وتراجعا، بحسب حساباتها التكتيكية والاستراتيجية، في مختلف الظروف، وبما يجعلها تتحكم في المستويين، معا، دون أن تعلن مسؤوليتها الصريحة والواضحة في أي مستوى من مستويات الأزمة الكامنة أو المعلنة مع المغرب.

ذلك أنها حريصة على توجيه الجبهة الانفصالية في الاتجاه الذي ترغب فيه القيادة السياسية والعسكرية أن تكون عليها علاقاتها مع المغرب، خلال هذه الفترة أو تلك، وفق الأجندة المحددة سلفا.

وفي كل الأحوال، فإن التأثيرات المباشرة، وغير المباشرة، لهذه الأزمة على حاضر ومستقبل دول المغرب العربي بادية للعيان بحيث عطلت قطار بناء اتحاد دول المغرب العربي الذي مضى على تأسيسه ما يناهز عقدين ونصف العقد من الزمن، والذي فجر من الآمال وسط شعوب المنطقة ما لا يوازيه إلا حجم الصدمة التي شعرت بها، من جراء القوة التعطيلية الهائلة التي وقفت في وجه إنجاز هذا المشروع الذي كان يمكن أن يخلق ظروفا نوعية جديدة تعطي الأولوية للتعاون والتكامل بين تلك الشعوب على أنقاض الصراعات والنزاعات المفتعلة، هنا وهناك، لخدمة أغراض لا يمكن الادعاء بأنها في مصلحة المنطقة على أي مستوى من المستويات.

مؤشرات كثيرة تؤكد على دخول الأزمة بين المغرب والجزائر مستوى الاستعصاء على الحل يمكن الإشارة منها إلى ما يلي على سبيل المثال وليس الحصر:

- الحدود المغلقة منذ أكثر من عشرين عاما على إثر محاولات إرهابية استهدفت فنادق مغربية تورط فيها مواطنون غربيون من أصول جزائرية عام 1994.

فقد باءت كل المحاولات التي بذلها المغرب من أجل إعادة فتح الحدود بين البلدين بالفشل كما أن محاولات بعض أصدقاء البلدين في الدفع بهذا الاتجاه لم يكن حظها أحسن من المغرب نظرا لتصلب الموقف الجزائري الذي لا يجد تفسيره بالنسبة إلى المغرب إلا بعدم رغبتها أصلا في المساهمة في توفير بعض الشروط الأولية الضرورية لبناء صرح المغرب العربي.

- الاستفزازات المتكررة على الحدود.

- يندرج في هذا السياق تهديد شبه صريح للمغرب من قبل رئيس البرلمان الجزائري في ذكرى انطلاق الثورة الجزائرية الذي تزامن مع استفزاز عناصر الجيش الجزائري واعتدائهم على مدنيين مغاربة عزل.

- تهديد عصابات البوليساريو للمغرب باستئناف عملياتها المسلحة ضد الجيش والشعب المغربي، والقيام بعد ذلك بما سمي مناورات عسكرية في الصحراء تحت الإشراف العسكري الجزائري علما بأن تلك العصابات لا تحرك ساكنا إلا وفقا للأوامر الصريحة والواضحة الصادرة عن قصر المرادية مباشرة، أو الجهة التي تنوب عنه لتنفيذ إرادة القيادة السياسية العسكرية الجزائرية في مناهضة المغرب والنيل من مصالحه في مختلف المجالات.

- الفهم الجزائري الخاطئ لحرص المغرب على تقديم مبادرات إيجابية إذ تم اعتباره دليل ضعف في الموقف، وربما عنوان استعداد الرباط لتقديم تنازلات جوهرية يمكن استغلالها لخدمة مشروع الانفصال، غير أن الملك محمد السادس قد حسم الشك باليقين، على هذا المستوى في خطاب ذكرى المسيرة الخضراء الذي اعتبره جل المراقبين بمثابة إعادة تصويب لبوصلة هذا النزاع ورسالة قوية إلى أبناء الصحراء والجزائر والمجتمع الدولي تؤكد أن الحل لن يكون على حساب المغرب ووحدته الترابية والوطنية، وأن الجزائر الرسمية هي الطرف الحقيقي المقابل للمغرب، وأن الرباط تدرك أن محاولات ابتعادها عن الواجهة التي تحتلها، لا يساعد على إيجاد الحل السياسي الذي يرغب فيه المجتمع الدولي، ويدعو له منذ فشل تطبيق خطة الأمم المتحدة حول الاستفتاء، بسبب موقف شيوخ البوليساريو ضمن لجنة تحديد هوية الصحراويين الذين تحق لهم المشاركة في الاستفتاء حيث اتبعوا منهجية غريبة تهدف إلى رفض كل الصحراويين الذين يشك في ولائهم لأطروحة الانفصال.

الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى التوصل إلى خلاصة حاسمة باستحالة تنظيم الاستفتاء، ودعوة مجلس الأمن الدولي إلى البحث عن الحل السياسي الذي يحظى بموافقة كل أطراف النزاع. وهو السياق الذي دفع المغرب إلى تقديم مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء.

هذا الموقف الذي عبر عنه العاهل المغربي وخاصة دعوته المجتمع الدولي إلى التعاطي مع الجزائر باعتبارها الطرف الأساسي في النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، جعل الجزائر تقيم الدنيا ولا تقعدها من جديد، بمختلف الوسائل والأدوات بما في ذلك تنظيم مناورات عسكرية قرب الحدود مع موريتانيا مع أن المستهدف منها هو المغرب، كما يستشف ذلك، من كل التصريحات التي نسبتها وكالة الأنباء الجزائرية إلى بعض رموز الانفصاليين.

وليس مستبعدا أن يكتسي الصراع بين المغرب والجزائر طابعا حادا في مختلف محافل المنتظم الدولي، وفي الأمم المتحدة بالذات، في أفق التجديد لولاية بعثة المينورسو في أبريل المقبل حيث ترغب الجزائر في توسيع صلاحياتها بما يمس سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية في مجال مراقبة حقوق الإنسان وحيث يصر المغرب أن مسألة سيادته هي الخط الأحمر الذي لا يقبل بتجاوزه في هذا النزاع كما عبر عن ذلك مرارا للأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي إلى المنطقة كريستوفر روس.

12