العلاقة الأمثل مع مكان العمل.. حياد إيجابي أم خصوصية حميمية

الثلاثاء 2018/01/23
مكان العمل يعكس نفسية من يعمل فيه

“الحياة بتخلص والشغل ما بيخلص”.. ينتهي الناس ولا ينتهي العمل.. وهلم جرّا من المقولات والأمثال التي تصبّ في نفس الفكرة. إنه العمل على مختلف أشكاله وأنواعه، بالفكر والساعد، بأصحابه من ذوي الياقات البيضاء أو الزرقاء.. كل هؤلاء يقضون أكثر من ثلث حياتهم وهم يعملون أو يحلمون بعمل أو يموتون غرقا من أجل فرصة عمل في الضفة الأخرى كما هو حال ممتطي المراكب المتهالكة في مياه المتوسط.

ثمة من يعمل لصالح مؤسسة عامة أو خاصة أو لصالح نفسه، ثمة من يعمل خلف مكتب أو مقود أو أمام شاشة أو آلة أو طاولة، فيألف مكان عمله أكثر من شيء آخر، لذلك يصح التساؤل عن العلاقة بمكان العمل: هل هي علاقة حياد إيجابي، تجعل الواحد متحررا من ذلك الرابط الذي من شأنه أن يقيّد صاحبه بنوع من العاطفة الطاغية أم هي علاقة شخصنة وخصوصية حميمية ودافئة، تزيد من الألفة وتقوي المردودية والإنتاجية؟

الشرقيون بطبيعتهم أناس عاطفيون، يضفون خصوصيتهم على أمكنة العمل والسكن والدراسة وحتى التسوّق، فتجد سائق الأوتوبيس مثلا، يكثر من الزينة عند كرسيه ويبلغ به الأمر أن يلصق صور أطفاله ويعلّق تعاويذ ومسابح وشناشين بدرجة تصل حد المبالغة كما هو الحال في قوافل وشاحنات طريق الحرير التقليدية، والتي تصل أقصى الشرق بأوروبا.

الغربيون بطبيعتهم، عقلانيون أكثر كما تدل دراسات عديدة وتقليدية في هذا الشأن، لكنهم يبدون إعجابهم بهذه الخصوصية التي تميز علاقة الشرقيين بأمكنة عملهم ووسائل إنتاجهم، فنحن الشرقيون غالبا ما نطلق ألفاظ التحبب والملاطفة والمغازلة حتى على وسائل نقلنا.

هذا يطلق على دراجته اسم فتاة مغناجة أو نجمة سينمائية، وذاك يلصق على بلور سيارته صورة نجمه المفضل في الرياضة أو الغناء، والآخر يتفنن في خط الأدعية والأمثال على زجاج شاحنته أو حتى عربته المخصصة لبيع الفواكه والخضار.

لا يخفي بالمقابل أناس كثيرون سخريتهم من هذه العلاقة الحميمية الزائدة والمبالغ فيها بين البعض من الناس وأمكنة عملهم، ويرون فيها نوعا من التعدي على الحياد الذي يجب أن يميّز مكان العمل، إذ من الأجدر توخي الموضوعية وإخفاء الهوية والخصوصية في مكان يرتاده عامة الناس مثل الدوائر الحكومية وغيرها.

بالمقابل، وبحسب تقرير نشرته وكالة الأنباء الألمانية، يميل أصحاب المكاتب الجميلة إلى حب الذهاب إلى العمل، بينما الذين تتلاصق أكتافهم مع عدد كبير من الزملاء في مكان عمل مفتوح غالبا ما يكونون أقل شغفا في الجلوس إلى مكاتبهم، بحسب تقرير ويعتقد الباحثون الأستراليون أنهم يعرفون السبب، فالعمل في مكان مفتوح يكون أكثر توترا وضغطا من العمل محاطا بأربعة جدران.

لا مكان للفردية والخصوصية في العمل

وقال الباحث فينيش أومن، في جامعة كوينزلاند، بعد دراسة مجموعة كبيرة من الأبحاث حول موضوع الخصوصية والعلاقة مع مكان العمل “إن الدليل الذي وجدناه يعدّ صادما تماما في 90 بالمئة من البحث فإن نتيجة العمل في مكتب مفتوح ينظر إليها غالبا على أنها مسألة سلبيـة حيـث أن المكاتب المفتـوحة تسبب ارتفاع مستويات التوتر والصراع وارتفاع ضغط الدم وزيادة عدد العاملين”.

ويبدو أن ضجيج أصوات الحديث في الهواتف وأصوات الكمبيوتر هي المسؤولة إلى جانب فقدان الخصوصية وتزايد فرص التشاحن مع الزملاء وبقية العاملين في المؤسسة.

وقال الباحث أومن “توصّل البحث إلى أنّ التصميم التقليدي هو الأفضل، وهو المكاتب الصغيرة الخاصة المغلقة”، مضيفا “المشكلة هي أن أصحاب العمل يتطلعون دائما إلى سبل تخفيض التكاليف واستخدام تصميمات مفتوحة يمكن أن توفر 20 بالمئة من البناء”.

وعلى مستوى آخر في ما يتعلق بالخصوصية، فقد أصبحت خصوصية البريد الإلكتروني قضية محلّ نزاع شديد ومستمر بشكل دائم حيث يستعمل المزيد من الأشخاص الهواتف المحمولة الخاصة بالشركة وعناوين البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل ضمن مراسلاتهم ومحادثاتهم الشخصية مع عائلاتهم، وذلك بغضّ النظر عن طلب أصحاب العمل الحق بمراقبة البريد الإلكتروني.

مكان العمل هو مكان للعمل

قد تصل المبالغة في إضفاء الخصوصية والبصمة الشخصية على مكان العمل، حدّ الاستفزاز والتعدّي على خصوصية الآخر سواء كان مواطنا يراجع دائرة حكومية أو زبونا يقتني بضاعة أو راكبا يمتطي وسيلة نقل عمومي.

ما معنى أن يضع موظف حكومي صورة أطفاله تحت بلور مكتبه أو يعلّق سائق تاكسي عند مرآة سيارته تميمة أو تعويذة تبرز انتماءه الطائفي أو المذهبي أو العرقي، وما معنى أن يجبر بائع زبونا على التلفظ بعبارات مجاملة وأدعية دينية تخص عقيدة بعينها.. فمن أدراك أن هذا الزبون يعتنق ديانة أخرى؟

الخصوصيات تبقى خصوصيات، وأمكنتها المناسبة هي المنازل والنوادي ودور العبادة، ذلك أن المرافق العامة والدوائر الحكومية والمراكز الخدمية ملك للجميع ولا يجوز انتهاكها بالخصوصيات الفردية تحت أيّ عذر أو سبب أو ذريعة.

إنهم يتحدثون عن خصوصية عجيبة غريبة إلى درجة أنه إذا غاب الموظف أو مرض أو مات تنتفي الوظيفة تماما وتختفي من الدائرة الحكومية برمتها

القول بأن إضفاء الخصوصية يحسّن من المردود والإنتاجية هو وهم ونوع من ذرّ الرماد في العيون وتمييع للوظيفة. ولو كانت الشخصنة ناجعة ونافعة لسمح للقضاة والمحامين والرياضيين ورجال الشرطة بارتداء ما يشاؤون من الثياب.

الحياد في أماكن العمل يعطي هيبة للمؤسسات العامة ويجعل الجميع يحترمون القانون ولا يفرّقون بين هذا وذاك فليس من حق موظف في القطاع العام أو الخاص أن يرتدي ما يشاء من الثياب أو يزيّن غرفة مكتبه بمقتنيات شخصية خصوصا إذا كان يتعامل مع المراجعين بشكل يومي، ذلك أن هذه الخصوصية التي يدّعي أنصار الحريات الفردية الدفاع عنها، من شأنها أن تشتّت الأذهان وتحيد عن المهمة الواضحة والصريحة لطبيعة الوظيفة التي يؤدّيها صاحبها.

ترك الحياد الإيجابي في الوظيفة من شأنه أن يوقع في عدة منزلقات فما يراه المرء مناسبا ومقبولا قد يكون مزعجا جدا بنظر الآخرين، ومن أبرز الأخطاء التي على الإنسان معاهدة نفسه على تجنّبها، كي لا يتسبب بأي ضيق أو إزعاج لزملائه في العمل هي المبالغة بنقل الأخبار الخاصة بمجرد دخول الواحد إلى المكتب كأن يبدأ بحديث مطوّل حول سبب تأخره عن الحضور هذا الصباح؛ حيث إنه يعاني من تلبك معوي جراء وجبة العشاء الدسمة التي تناولها أمس أو أن يبدأ بالحديث حول توقّعاته بمواجهة يوم سيء للغاية بسبب ألم ضرسه الذي يعاني منه وتأخر في علاجه.

وينبغي على الواحد أن يعلم بأنّ هذه النوعية من الأخبار والتفاصيل ليست مهمّة بنظر الآخرين، لذا فمن الأفضل الاحتفاظ بها فقط في كتاب مذكّراته.

الكثير من البلدان المتطوّرة تعتمد الحياد الإيجابي والمثمر في كل مجالات الحياة العملية، حيث ووقع تعويض جدران المكاتب بحواجز بلورية لتحقيق المزيد من الشفافية وتسهيل المراقبة كما أن الموظف في مؤسسات كثيرة بإمكانه استعمال أي جهاز كمبيوتر موجود في القسم الذي يعمل فيه، فلا مكان ولا مجال لخصوصية وهمية كما هو الحال في بلدان عربية.

وباسم الخصوصية في البلدان العربية، ترى الموظف يستحوذ على أدوات ومقتنيات العمل فيجعل كل شيء باسمه وقد يعود بمستلزمات العمل المنزل أو العكس، وبشكل يوحي بأنه يمكن أن يصطحب معه فراشا وغطاء وجهاز تلفزيون.

أكثر ما يمكن أن تشاهده في دوائر حكومية لبلاد عربية كثيرة هو الانتهاكات العجيبة والغريبة للمقتنيات والمستلزمات الإدارية و“تطويبها” للملكية الخاصة باسم الخصوصية إلى درجة أنه إذا غاب الموظف تنتفي الوظيفة وتختفي من الدائرة الحكومية برمتها.

لا مكان للخصوصيات في الإدارة الغربية، وهذا سبب تطورها كما أن الحياد الإيجابي يشكل أرقى مظاهر العلمانية التي تفصل الدولة عن كل الخصوصيات العقائدية والعرقية وغيرها.

الموظف يؤدّي عمله ولا شيء غير عمله وعندما يعود إلى بيته أو يتمتع بإجازة ينفصل تماما عن عمله ويلتفت إلى شؤونه الخاصة.

أما في معظم بلدان العالم الثالث فيصعب الفصل بين الموظف ووظيفته، ذلك أنّ المسألة تتعلق بثقافة قائمة على الشخصنة وذهنية استباحة الأملاك العامة وتجييرها للمصالح الذاتية.

الإدارات المتقدّمة القائمة في البلدان الأوروبية تحترم الخصوصيات لذلك ألغتها ومنعتها أثناء العمل الوظيفي، لكنها لم تسقطها من اعتباراتها عن طريق الحوافز والمكافآت وباقي طرق المعايدات والتهاني في المناسبات العائلية.

الحياد الإيجابي والموضوعية والنزاهة هي الأمور التي تغيب في البلدان المتخلفة والبعيدة عن الحضارة والمدنية وتعوّضها خصوصيات فردية ساذجة لا معنى لها، ومن شأنها أن تعرقل العمل الإداري وتضر بالأداء الوظيفي.

الشرقي لا يعيش دون خصوصية

أنا أعمل إذن أنا إنسان

القاعدة الذهبية والشرط النموذجي للنجاح في العمل والحياة هما أن يحب الواحد ما يعمل فيه ويعمل في ما يحبه. الحب الذي هو أخصّ الخصوصيات، شرط أساسي لإنجاح العمل الذي نقضّي فيه ثلث حياتنا بل وأكثر، لذلك كان من الواجب والضروري أن تنصبغ حياتنا العملية والوظيفية بطابع شخصي يزيد من أهميتها ويكون حافزا في التطوير.

الخصوصية تعطي للأشياء أهميتها ومعناها، ولا يمكن للواحد أن ينجح في عمل من الأعمال ما لم يعطه طابعا شخصيا بل ويصبح بالنسبة إليه همّا شخصيا مثل فلسطين في شعر محمود درويش أو داغستان في قصائد رسول حمزتوف.

حتى الروبوتات يطلقون عليها أسماء ويجعلون لها خصوصيات ويضيفون إليها عنصر الطرافة لتصبح أجواء العمل طرية وذات نكهة يسهل تحملها وسط عالم يطغى عليه الضغط والتجهّم والعبوس.

ومن مظاهر وإيجابيات الخصوصية، إشراك الموظف في العمل بشكل حقيقي مما يجعله يحس بمتعة أكبر، فذلك يعزّز الروابط بين المؤسسة وموظفيها، كما يدفعهم إلى الانخراط بشكل أعمق، وبالتالي تتحقق معادلة العمل الممتع.

لكن طرق إشراك الموظفين تختلف من موظـف إلى آخر، لـذلـك تنصح دراسـات حديثة رؤساء العمل بوجـوب إنشـاء ملـف خاص لكل موظـف، يتضمّن هواياتـه ومـواطن شغفه، بالإضافة إلى الأمور التي يفضّلها أو تحمّسه وتسعـده ثم النـظر إلى مـدى مـواءمة هذه الجـوانب مع حاجات المـوظف وبيئة عمله.

الخصوصية في مكان العمل هي ببساطة أن تشعر بأنك لست آلة، ولا مـؤديا لوظيفة مثل إنسان آلي. إنها أنسنة العمل وإظهار الطابع النبيل لأعظم فعل إنساني ألا وهو العمل.

الحيوانات والنباتات لا تعمل، لذلك يحق لنا تسمية الإنسان بـ”الحيوان العامل” وهذا العمل لا يمكن أن يكتمل كمفهوم إلا بطابع الخصوصية، فكل الناس يعملون ولكن لا أحد يشبه الآخر في طريقة عمله وأسلوبه في التعامل.

الخصوصية في مكان العمل تزيد من تحسن الإنتاج وفق إحصائيات واستبيانات كثيرة، ذلك أنها تجعل علاقة العامل بمكان عمله أكثر حميمية ودفء

من مظاهر غربة الإنسان في البلدان الصناعية رغم تطورها، هو أنه عبد وخادم للآلة وليس العكس في حين أن الإنسان الشرقي وبطبيعته الروحية يضفي جوّا من الألفة والمرح والحميمية على علاقته بالآلة ومكان العمل، ولعل هذا أهم ما يحسد الشرقي عليه. إنها طريقته في الاستمرار والتخفيف من أعباء الحياة.

ما أجمل أن يستأنس الواحد لصور أطفاله على شاشة الكمبيوتر أثناء الشغل أو يخفي في درج مكتبه أوراقه الخاصة أو يتبادل عبارات الملاطفة مع الناس دون منفعة فليس من اللائق ولا من السلوك الحضاري أن يستقبل موظف في إدارة صفوف المراجعين بفتور وتجهّم. كل الناس يحبون البشاشة والحبور والظرف، خصوصا إذا وجدوها عند عامل أو بائع أو موظف.

عمال وموظفون كثيرون يتراجع أداؤهم ويقل إنتاجهم إذا غيّروا من أمكنة عملهم لأن الإنسان خلق ألوفا بطبعه. ونحن نفاخر كشرقيين بخصوصيتنا المتمثلة في إضفاء الخصوصية على أمكنة عملنا.

الخصوصية في مكان العمل تزيد من تحسّن الإنتاج وفق إحصائيات واستبيانات كثيرة، ذلك أنها تجعل علاقة العامل بمكان عمله أكثر حميمية ودفءا بدليل أن أكثر الزيجات نجاحا كانت بين زملاء عمل.

فمعظم الأشخاص يلتقون شريكهم المستقبلي خلال مزاولتهم مهنتهم، بما أنهم يمضون ثلث يومهم في العمل الذي يقدّم فرصةً للشخص ليتعرف فعلاً إلى الشخص الآخر وليكوّن علاقة صلبة معه قبل أن يعبّر عن إعجابه به.

وعلى مستوى التشريعات في ما يتعلق بالخصوصية، أعطت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الموظفين المزيد من الخصوصية عبر الإنترنت أثناء العمل، حيث بحسب القواعد الجديدة الصادرة عن المحكمة فإنه ينبغي على الشركات أن تخبر الموظفين مسبقا بأنها تعمل على رصد ومتابعة رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بهم بما يشكّل انتهاكا لحقوقهم بشكل لا مبرّر له، ومن المفيد دائماً تذكّر أنه يمكن مراقبتك عندما تكون متصلاً بشبكة الإنترنت.

ويقلل القرار الجديد من قدرة الشركات على مراقبة أنشطة العاملين عبر الإنترنت أثناء وجودهم في العمل، ومنح الموظفين المزيد من الخصوصية على الأجهزة الخاصة بالعمل.

ويجب على الشـركات الأوروبية الآن الكشف للموظفين مسبقا أنهـم يراقبون رسائل البريد الإلكتروني أثناء العمل، وذكرت المحكمة أن عددا قليلا من الدول الأوروبية تحّدد على وجه الخصوص خصوصية مكان العمل على الإنترنت، بيد أن معظم دول المنطقة تطلب من أرباب العمـل إخبار العمّال بالمراقبة.

12