العلاقة التي تشعر الطفل بأهميته تحميه من الانحراف

تعلق الأولاد بأحد الوالدين يتيح لهم مقاومة ضغوط الثقافة التي تحاول أن تحصرهم في صندوق من الصفات.
الثلاثاء 2019/05/14
الواثقون بأنفسهم لا خوف عليهم

في السنوات الأخيرة، بدأت بعض المعايير الاجتماعية الفاصلة بين الجنسين في التشابك. وبالنسبة للعديد من الأولاد الصغار، ضاقت المعايير التي تدل على “الذكورية التقليدية”، وأصبحت المساحة الصغيرة التي تنظم أنشطتهم حسب جنسهم مقيدة، مما يدفعهم إلى التخلي عن كل ما لا يتلاءم مع الثقافة السائدة. ويقدم أحد علماء النفس كيف يمكن للعلاقة القوية مع أحد الوالدين أو المدرسين أن تساعد الأولاد في أن يتصرفوا بعفوية وصدق، حتى عندما تختلف معاييرهم عن المعايير الثقافية الضيقة.

واشنطن – ترجح دراسات علم نفس الطفل أنه قادر على التمييز منذ الصغر، وأنه يختار لنفسه المظهر والسلوكيات التي تتناسب مع محيطه وتستجيب خصوصا لما يريده الآباء والمحيط الأسري والاجتماعي، فيما قد تظل شخصيته الحقيقية مختفية ولا يعرفها أحد، وقد تنكشف في الكبر وقد تظل مساحات كبيرة فيها غامضة مدى حياته، وتؤكد بحوث حديثة أن الفهم الجيد لنفسية الطفل من قبل أحد الوالدين أو المربين يلعب دورا هاما في دفعه نحو التصرف على حقيقته.

وينمو الولد وراء قناع يناسب محيطه، ويبدأ الخط الفاصل بين القناع والوجه الحقيقي يتلاشى حتى تصبح تصرفات الولد معزولة عن قلبه. وفي كتابه الجديد، “كيف تربي صبيا”، يطلق عالم النفس المتخصص في الصبيان والرجال مايكل رايشرت على تلك المساحة “صندوق الرجل”. وعمل رايشرت -وهو المدير المؤسس لمركز دراسة الأولاد والبنات في جامعة بنسلفاني- على جعل كتابه دليلا للآباء الذين يرغبون في خلق مساحة أكبر للأولاد للتعبير عن أنفسهم.

ويكمن السر بحسب عالم النفس في “العلاقة التي تمكّن الصبي من أن يشعر بأهميته”، إذ يستمد الشباب ثقتهم بأنفسهم من تجارب المحبة والدعم والشعور بأن وجهات نظرهم مفهومة. ويتكون الذكاء العاطفي تلقائيا لدى الأطفال ويمثل الوعي العاطفي أولى مكوناته، وفي الكثير من الأحيان يجد الولد نفسه مضطرا إلى مراقبة ما يعبر عنه وما يقوله، فيضع حدودا لتعبيراته.

ويشير رايشرت إلى أنه في بعض الأحيان، تصبح الطريقة الوحيدة للقيام بذلك تكذيبهم لمشاعرهم وفصلها عن أقوالهم وتصرفاتهم، وهو ما تحذّر عدة دراسات نفسية من تأثيراته السلبية حيث تكشف أنه إذا عزل الشخص نفسه عن مشاعره وحاول التجرد منها فإنه سيكون أقل إدراكا لما يشعر به، مما يعني أنه سيتصرف بطريقة أقل مهارة وبراعة. كما سيؤثر ذلك على علاقاته العاطفية على المدى الطويل.

وتوجد الكثير من الدلائل على تحول هذه المعايير الثقافية، إذ يشهد هذا الجيل من الأولاد تجربة مختلفة ومجموعة غير مسبوقة من الفرص مقارنة بأي جيل سابق. ويفهم الجيل الحالي من الأولاد ويقبل الحاجة إلى تطوير الذكاء العاطفي.

وتقوي علاقة الطفل المتينة بطرف أساسي -مثل الأم أو الأب أو المعلم- عند النشأة إحساسه بهويته وشخصيته، مما يتيح له مقاومة ضغوط الثقافة التي تحاول أن تحصره في صندوق من الصفات. وعندما يكون الطفل واعيا ويفهم ذاته جيدا فإنه يقاوم من يحاول سحبه في اتجاه غير صحي، ووفق المبدأ ذاته يقاوم الأطفال جاذبية ثقافة أقرانهم، لذلك ينصح المختصون في التربية وفي علم النفس بضرورة وجود من يؤطر الطفل ويحيط به نفسيا لكي يساعده عبر إبراز قيمته كفرد في العائلة والمجتمع ويبلغه أنه يحبه كما هو.

الأولاد يمكن أن يتورطوا في ممارسات مثل تعاطي المخدرات إذا لم يتمتعوا بتوجيه شخصية مثل أحد الوالدين، تلعب دور البوصلة الأخلاقية 

ويقول رايشرت طالما أن الآباء يريدون تربية جيل من الأولاد الذين يختلفون فيما بينهم، ولكل ميزاته وصفاته، فإنه “يجب علينا أن نتعرف على الطفل بدلا من أن نشكله ليتناسب مع ما كنا نتوقعه”.

وبعيدا عن العائلة، تحمل الصداقة تأثيرا بالغ الأهمية على ما يتعلمه الأولاد حول القواعد الثقافية، وبسبب فصل الأطفال حسب الجنس في بعض المدارس الابتدائية غالبا ما تكون صداقات البنين الأولى مع أولاد آخرين.

ويتعلم الأولاد المشاركة والمحبة والتواصل مع الأولاد الآخرين قبل أن يتواصلوا مع الفتيات، وتؤكد بحوث علمية سابقة أن صداقات الأولاد يمكن أن تكون غنية وعميقة ودائمة. ويقول بعض الأولاد “أعتقد أنني سأموت دون أصدقائي”. وتحمل صداقات الرجال لأجل ذلك جانبا إيجابيا يصعب الحفاظ عليه مع مفاهيم ثقافية تخوفهم من أن يكونوا مثلا بالقرب من صبي آخر بسبب رهاب المثلية الجنسية. ويفقد الكثير من الأولاد أصدقاءهم في فترة المراهقة بسبب الخوف من اختلافه عنهم، كما يجد الكثير من الرجال البالغين أنهم لا يمتلكون أي أصدقاء بسبب الخوف الذي يعتريهم تجاه الآخرين وبسبب تحذيرات العائلة وتأثيرها أحيانا.

وتتضمن صداقات الذكور جوانب سلبية أخرى، إذ تصبح القواعد التي يلتقطها الأولاد في مجموعتهم جزءا من طبيعتهم. ويمكن أن يتورطوا في ممارسات مثل تعاطي المخدرات أو كره النساء أو خوض مجازفات تهدد سلامتهم. ويعتبر خبراء أن هذا الجانب يشكل خطرا، خاصة إذا لم يتمتع الطفل أو المراهق بتوجيه شخصية أخرى مثل أحد الوالدين، تلعب دور البوصلة الأخلاقية.

ويظهر الأولاد في الفصول الدراسية أكثر استعدادا لسوء التصرف وتحدي القواعد والإخلال بالنظام، وتميل الفتيات إلى الهدوء ومتابعة الدرس. وهو ما يفسر توجيه معظم العقوبات المدرسية إلى الأولاد. فعندما يرفض الصبي الانصياع للمعلم أو يتحدى سلطته، يشعر المعلم بالغضب بدلا من تذكر أن ذاك الطالب ما زال طفلا، وأن وظيفته كشخص بالغ تكمن في تنمية علاقته مع هذا الطفل. ويقمع المعلمون في الكثير من الأحيان الصبية بالقوة والعقاب.

وينطبق هذا الوضع في المدرسة على الوضع العائلي، ويتطلب من الوالدين نوعا من الاستجواب الذاتي لكي لا يقعا في ممارسات القسوة نفسها تجاه أبنائهما الصغار. ويجب عليهما الاستمرار في التواصل مع الابن حتى عندما تبدو الوضعية صعبة، وفق رايشرت، الذي يوضح أنه “عندما يسيء صبي التصرف، عليك التدخل، لكن ليس من أجل قمع سوء سلوكه أو معاقبته، بل لمطالبته بأن يواجه أي طاقة عاطفية قد تبعده عن المسار الصحيح”.

ويهاجم الكثير من الأولاد والديهم لأنهم يشعرون بأن حب آبائهم غير المشروط يعني أنهم يستطيعون تحمل عبء شعورهم بالغضب أو الخوف من شيء آخر في حياتهم. في المقابل لا يمكنهم إخراج طاقاتهم الشعورية في المدارس أمام مجموعة من أقرانهم، لكنهم يظهرونها في المنزل أمام عائلاتهم.

21