العلاقة العكسية بين مستوى التعليم والزواج انعكاس لخلل أسري

تفضيل الرجل لزوجة أقل تعليما يكرس مخاوف الارتباط بنساء أكثر تعليما.
الخميس 2021/09/16
المرأة المتعلمة تخيف العرسان

يؤثر التعامل مع المستوى التعليمي كشرط للزواج سلبا على الكيان الأسري، حيث تكشف أحدث الإحصائيات إقبال الشباب على الزواج من الفتيات اللواتي لهن مستوى تعليمي أقل منهم، هربا من شروط صاحبات الشهادات الجامعية وخوفا من تحررهن من القيود المجتمعية وأيضا رغبة في الاحتكار الذكوري لإدارة الأسرة، في حين تعزف الفتيات عن الزواج لعدم التوافق في الشهادات العلمية.

القاهرة - أظهرت الأرقام التي كشف عنها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر (جهة رسمية) بشأن نسب الزواج بين الحاصلات على درجات جامعية أن العلاقة العكسية بين ارتفاع مستوى التعليم والزواج وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة، حيث لم تتخط نسب الارتباط الرسمي بين صاحبات المؤهلات العليا 0.1 في المئة خلال العام الماضي، وهو رقم هزيل للغاية.

واحتلت الحاصلات على شهادة تعليمية متوسطة صدارة المتزوجات بنسبة 30.8 في المئة، ما يمكن تفسيره بأن الشباب الحاصلين على مؤهل متوسط أو حتى مرتفع يميلون إلى الزواج من فتيات لهن المستوى التعليمي ذاته أو أقل، في حين يرفض أغلب المقبلين على الزواج الارتباط بفتيات حاصلات على درجة جامعية فما فوق، بغض النظر عن انتمائهن الأسري والبيئة التي يعشن فيها.

ويؤدي ارتفاع مستوى التعليم لدى الجنسين مع الحصول على الماجستير والدكتوراه بالتبعية إلى انخفاض الإقبال على الزواج، لكن النسبة الأكبر تكون بين الفتيات.

لم يقدم الجهاز المركزي للإحصاء تفسيرا مقنعا لهذه الظاهرة، وما إذا كان السبب يرجع إلى المطالب التعجيزية للأسر التي لديها فتيات جامعيات أم أن الشباب أنفسهم يفضلون الزواج من حاملات الشهادات المتوسطة.

تزوج سعيد محمد قبل عام تقريبا من فتاة حاصلة على شهادة فنية، رغم كونه من خريجي كلية الهندسة، لكنه اتخذ هذه الخطوة بعدما تقدم لأكثر من فتاة جامعية ووجد كل منهن تضع شروطا تعجيزية وتؤيدها أسرتها في ذلك، مثل ارتفاع المهر والتدخل في موقع شقة الزوجية بحيث لا تكون في منطقة شعبية، مع إلزامه بعدم الوقوف في طريق بحثها عن وظيفة في أقرب وقت ممكن.

قال الشاب لـ”العرب” إن “أغلب الرجال المقبلين على الزواج يبتعدون عن الفتيات الحاصلات على مؤهلات جامعية لاقتناعهم بأنهن متمردات على كل شيء، في حين يميل الرجل الشرقي بطبعه إلى أن يكون صاحب الكلمة الأولى ويرفض الارتباط بالمرأة التي تعامله بندية أو تُملي شروطها وتفكر باستقلالية وتحاول فرض رأيها”.

الرجل الذي لا يتمتع بعزيمة وإرادة قوية يميل إلى من هي أقل مستوى تعليميًّا لإرضاء الذات وفرض السيطرة في إدارة المنزل

تعكس هذه النظرة استمرار تعامل الرجل الشرقي مع الزوجة باعتبارها مجرد خادمة ليس أكثر. ومجرد تفكيرها في وضع دستور تقوم عليه العلاقة الزوجية ويحدد لكل طرف مسؤولياته وحقوقه وواجباته، يعد من المحظورات التي تستدعي تجنب هذه المرأة وعدم التعامل معها أو اختيارها لتكون شريكة في تكوين أسرة، ما يفسر تراجع نسبة زواج الحاصلات على مؤهلات عليا وما فوقها.

معروف أن المرأة كلما كان تعليمها مرتفعا كانت أكثر وعيا وفهما وإدراكا لحقوقها، وترفض أن تكون ربة منزل، بل تبحث عن كل ما يحقق لها ذاتها واستقلالها الفكري والمادي، فتتعامل بندية مع الرجل الذي يحاول القضاء على شخصيتها مقابل أن يحتكر لنفسه سلطة إدارة الأسرة بالطريقة التي ترضيه.

ويؤمن الكثير من الرجال في المجتمع المصري بأن المرأة ليست لها حقوق سوى التي يحددها زوجها، وهو ما ترفضه أغلب الحاصلات على مؤهلات دراسية عليا، وكل منهن تفضل تأخر الزواج على الارتباط بشاب يؤثر على حلمها بالحصول على وظيفة والاستقلال المادي ويجعلها مجرد ربة منزل، ومن الطبيعي أن تفرض شروطها قبل الارتباط، ما قد يُفهم على أنه نوع من الغرور.

وفق دراسة صدرت مؤخرا عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية (جهة حكومية) تَبَيّن أن الرجل الذي لا يتمتع بعزيمة وإرادة قوية لا يقبل الزواج من فتاة تكون أعلى منه منصبا وتعليما، ويميل إلى من هي أقل مستوى تعليميّا لإرضاء الذات، باعتبار أن سلطته معها ستكون أعلى، على عكس ما يشعر به عندما يرتبط بفتاة ذات طموح شخصي وتعليمي ووظيفي كبير.

وأكد عادل بركات الباحث في الشؤون الأسرية وتقويم السلوك بالقاهرة أن أزمة الكثير من الرجال في المجتمعات الشرقية تكمن في أنهم ورثوا أفكارا مغلوطة عن طبيعة الزوجة؛ ذلك أنهم يتصورون أن من واجبها السمع والطاعة فقط، وهذه سمة ليست موجودة في أغلب الحاصلات على مؤهلات جامعية بحكم التحرر الفكري والثقافي والاختلاط بعقليات مختلفة، وإصرارهن على رسم حياة مثالية تكون فيها المرأة شريكة لزوجها وليست تابعة.

وأضاف لـ”العرب” أنه “أمام استقلالية رأي الحاصلات على تعليم جامعي يميل الشاب عادة إلى الفتاة ذات المستوى التعليمي المتوسط، فهي بالنسبة إليه مجرد وسيلة لإشباع الرغبة وتربية الأبناء وتنفيذ مطالبه الشخصية دون تفكير أو مجادلة، في حين تتعامل الحاصلة على الماجستير أو الدكتوراه مع الطرف الآخر بندية، لأنها ترفض التبعية وتميل إلى المشاركة في الرأي والقرار والتمسك بتحقيق حلم الوظيفة.

Thumbnail

وبعيدا عن الاشتراطات التعجيزية للفتاة خريجة التعليم العالي فإن الأسر نفسها تهتم بالوجاهة الاجتماعية وترفض أن تزوج بناتها لشباب لهم مستوى تعليمي أقل منهن مهما كانت وظائفهم ورواتبهم الشهرية، لكن المهم أن يكونوا من خريجي الكليات التي يقدّر المجتمع خريجيها.

ما زالت فاطمة حسن، وهي أم لأربعة فتيات، تتمسك بأن يكون المتقدم لخطبة أي واحدة من بناتها حاصلا على مؤهل جامعي، وقبل بضعة أشهر تقدم أحد الشباب لخطبة ابنتها الكبرى خريجة كلية التجارة، وكان من أصحاب المؤهلات المتوسطة ويعمل في شركة مقاولات كبرى وراتبه جيد ولديه شقة جاهزة، لكن قوبل طلبه بالرفض بدعوى أن المستوى التعليمي ليس موازيا لمستوى الابنة.

وتبرر الأم موقفها في حديثها لـ”العرب” بأن المستوى التعليمي للشاب أهم بالنسبة إليها من الوظيفة وتوفير شقة الحياة الزوجية، لأن الفتاة الحاصلة على تعليم جامعي بحاجة إلى تكافؤ فكري مع شريك حياتها، فلا يصح أن تكون أفضل منه في العقلية والتعامل مع المشكلات الحياتية بشكل قد يشعره بالنقص فيختلق لها المشكلات.

وأكدت أن التجارب الحياتية أثبتت أهمية أن يكون الزوجان في مستوى تعليمي واحد، أو يكون الرجل أعلى من شريكة حياته تعليما ووعيا وتفكيرا وثقافة، والمرأة بطبعها تميل إلى ذلك، لأن العكس يتسبب في أزمات أسرية كثيرة، فيشعر الرجل بالغيرة من تفوق زوجته، ويهرب الشباب إلى فتيات أقل مستوى تعليميا بدافع السيطرة.

صحيح أن مبررات الأم تبدو مقنعة، لكن ذلك لا يعني وجود زيجات ناجحة لرجال تزوجوا من نساء أعلى منهم في المستوى التعليمي، لأن التفاهم والمودة والتقارب على أساس الشراكة يزيل القيود التي تتسبب في تعكير صفو الأسرة، وهناك زيجات فاشلة طرفاها من خريجي الجامعات وقد يحدث الانفصال بعد أشهر قليلة.

وتكمن أزمة بعض الفتيات الحاصلات على درجات جامعية في تأثرهن بنظرة المجتمع للزواج وطقوسه من حيث التباهي بمستوى تعليم الشاب واشتراط مستلزمات مُبالغ فيها، ورفض فكرة أن يبدأ الزوجان حياتهما بأشياء بسيطة، بينما ترضى الفتاة خريجة التعليم المتوسط غالبا بالحد الأدنى بحكم أن الزواج بالنسبة إليها أكبر من مسكن راق وعريس ذي خلفية جامعية، ومن السهل أن توافق على المتقدم لخطبتها دون شروط تعجيزية، وتهتم أكثر بتركيز حياتها وجهدها على أولادها وزوجها، وهي سمات تميل إليها شريحة كبيرة من الشباب.

تفرض هذه الدوافع على الجنسين التحرر من نظرة وضغوط المجتمع والأهل، لأنها غير منصفة؛ فالتعامل مع المستوى التعليمي كشرط للزواج يؤثر سلبا على الكيان الأسري من عدة نواح، حيث يزيد العنوسة بين شريحة معينة، ويجعل التفاهم والمودة والتشارك سمات لا قيمة لها، رغم أنها المعيار الأهم لاستمرار العلاقة الأسرية حيث تحول دون هدمها بمجرّد ظهور مشكلة بسيطة.

21