العلاقة المؤلمة بين السياسة والأدب

الاثنين 2018/02/05

تظل العلاقة بين الأدب والسياسية، في كل اللحظات،عصية وملتبسة. ففي الكثير من الأحيان كانت السياسة الموئل المفضل الذي يلجأ إليه الأدباء، تسبقهم في ذلك نصوصهم. ويحدث ذلك إما بحكم عدالة القضية التي يدافع عنها الكاتب، أو بحكم الإغراء الذي قد تشكله السياسة والانغماس في ممارستها، أو بحكم كون امتطاء السياسية قد يشكل المعبر السريع والأسهل إلى قلب القارئ.

في الكثير من الأحيان، يقود التماهي بين الأدب والسياسية إلى مآلات محزنة. وفي كل لحظات تاريخ الأدب والسياسة، ثمة أكثر من مشهد درامي. من المتنبي الذي انتهت به أحلامه السياسية قتيلا على يد نكرة، إلى المعتمد بن عباد، الشاعر وأمير إشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف، والذي انتهت به مغامراته داخل ضريح منسي بقرية اسمها أغمات قرب مدينة مراكش، تؤنسه في عزلته تلك قصيدته الشهيرة الموضوعة على قبره، والتي كان قد دونها في رثاء حاله.

وإذا كانت ذاكرة القارئ والتاريخ تحتفظ بشكل أساس بأسماء الكتاب الذين يدخلون السياسة من باب الانتصار للقضايا العادلة، فثمة آخرون يختارون، بمحض إرادتهم أو مجبرين، الجبهةَ الأخرى. في كتابه الأخير عن “الحياة الثقافية بباريس المحتلة”، يعود الصحافي الأميركي ألان رِدين إلى البحث في التفاصيل الخفية التي كانت تحيط بعلاقة عدد من الأدباء الفرنسيين بسلطات المحتل النازي، حيث نكتشف التفاصيل الدقيقة الخاصة بالأدباء والمثقفين الذين تعاونوا مع المحتل، أو الذين تماهوا مع طروحات النازية، من بينهم بشكل خاص الكاتبة الشهيرة مارغاريت دوراس، التي تورطت في مهمة الرقابة على كتب مواطنيها الفرنسيين، من خلال اشتغالها كأمينة سر اللجنة المكلفة بمنح مقاولات الورق الخاص بالطباعة.

لا يتوقف تماهي الأدب مع السياسة عند هذه الحدود. بل يذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، خصوصا خلال لحظات الحروب، التي يعرف أغلبها مشاركة الكُتّاب، سواء عبر الكتابات التي توثق لها، أو من خلال نزول الكتاب إلى جبهات القتال كجنود بسطاء. ويحدث ذلك خصوصا في لحظات الحروب الكبرى، التي تختلط فيها بشاعة القتل بنشوة الانتصار، وفظاعة الجرائم برغبة تجريب شيء اسمه الحرب.

وكانت تلك حالة الشاعر الشهير غيوم أبولينير، الذي انخرط، بمحض إرادته، في الحرب العالمية الأولى، حيث عاش لحظات الحرب ومشاهد القتل المرعبة. ومن المفارق، أن أبولينير سيتوفى يومين فقط قبل نهاية الحرب بسبب وعكة صحية بسيطة لا علاقة لها بأجواء القتال.

ولأن السياسة لا تقود دائما إلى تحقيق الأحلام والطموحات، ولأن الحرب ليست نزهة، كان الكثير من الكتاب ضحية لأحلامهم، بينما فقد عدد من الكتاب الذين دخلوا الحرب أرواحهم.

أن تتسرب السياسة إلى الأدب فذلك أمر يبدو بديهيا، خصوصا إذا كانت ترتبط بقضية عادلة. أما أن يشارك كاتب في الحرب، وأن يتورط في قتل أنفس بشرية، فذلك أمر يحتاج كثيرا من الجهد لاستيعابه.

كاتب مغربي

14