العلاقة بين "الريّس" والمثقف، عبدالناصر وظله المديد

الأحد 2014/04/20
نظام عبدالناصر لم يكن رحيما بالمثقفين

كتب كثيرة صدرت حول علاقة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر (1917-1970) بالمثقفين غير أن الكتاب الذي احتوى على حوار مسهب أجراه الروائي يوسف القعيد مع الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل، يظل مرجعا أساسيّا في هذا المجال. وليس هذا بالأمر الغريب. فقد كان حسنين هيكل فاعلا أساسيّا في القرارات التي كان يتّخذها عبدالناصر في جميع المجالات، خصوصا في المجال السياسي والثقافي. وكان عارفا بأسرار الدولة، ومؤسّساتها، وأجهزتها الخفيّة.

كانت مقالة محمد حسنين هيكل الأسبوعيّة في “الأهرام” قادرة على أن تهزّ الرأي العام من المحيط إلى الخليج تماما مثل أيّة أغنية من أغاني “كوكب الشرق”، أم كلثوم. وعلينا ألاّ ننسى أن هيكل هو الذي أدخل أصحاب العقول الكبيرة من المثقفين المصريين من أمثال توفيق الحكيم ويوسف إدريس ونجيب محفوظ ولويس عوض إلى مؤسسة “الأهرام”. كما أنه تمكّن في الأوقات الأشدّ قتامة أن يدفع شرّ أجهزة المخابرات عن هذا أو ذاك من بعض المثقفين المناوئين للنظام الناصري.


عسكري واع


أول ما نستخلصه من قراءتنا للكتاب المذكور هو أن محمد حسنين هيكل لم يغيّر موقفه ولو قيد أنملة من صديقه الرئيس الراحل عبدالناصر. بل ظلّ دائم الوفاء له، ومدافعا شرسا عن مواقفه، وعن سياسته رغم ثبوت خسرانها، وتعدّد أخطائها. وعندما سأله يوسف القعيد عن حرب يونيو 1967، تحاشى هيكل الخوض في تفاصيلها، واقتصر على الحديث عن الجماهير الغفيرة التي استقبلت عبدالناصر في الخرطوم بعد الهزيمة المذكورة بوقت وجيز، ورفعت سيارته على الأكتاف. فكأن هيكل يريد أن يقنعنا أن تلك الرومانسية الشعبوية، رومانسية الجماهير التي دوختها الشعارات الجوفاء لتصبح غافلة عن وجودها، وعن سيرورة التاريخ وحركته، قادرة لوحدها أن تداوي الجراح العميقة والمؤلمة التي خلّفتها تلك الهزيمة النكراء.

وفي الكتاب يصف هيكل الرئيس عبدالناصر بأنه كان “عسكريّا واعيا، وصاحب رؤية استراتيجيّة”. لهذا كان قادرا حسب رأيه أن “يستوعب الكثير من الأمور المختلفة. وكانت له القدرة على فهم جوهر الأشياء واستيعابها”.

وأعتقد أن هذا الكلام مبالغ فيه إلى حدّ كبير إذ أن نقطة الضعف عند عبدالناصر هو أنه لم يكن صاحب رؤية استراتيجيّة. ولو كانت له مثل هذه الرؤية لجنّب بلاده، والعالم العربي برمته هزيمة مرة، ولما رمى نظامه في أحضان المعسكر الاشتراكي بزعامة ما كان يسمّى بالاتحاد السوفياتي بمثل تلك السهولة، ولتحاشى تلك العلاقات المتشنجة مع الدول الغربية، ومع الولايات المتحدة الأميركية في عزّ “الحرب الباردة”، ولما تدخّل في الشؤون الداخليّة لبلدان أخرى.

كيف ننسى المئات من المثقفين والمبدعين والفنانين التقدميين وغير التقدميين الذين ألقي بهم في السجون بمقتضى أحكام جائرة، وبسبب مواقفهم، وأفكارهم المتعارضة مع توجهات النظام الناصري


عودة الوعي


وبشأن الموضوع الأساسي الذي انصبّ عليه حوار يوسف القعيد مع هيكل، يجدر بنا التوقف عند بعض النقاط الهامة والجوهرية. وقد سعى هيكل إلى تبرير سياسة الرئيس عبدالناصر تجاه الثقافة والمثقفين، مركزا على بعض الجوانب الإيجابية في تلك السياسة. وهو يقول مثلا بأن “الرّيس” كان قارئا جيّدا، وأن قراءته لقصة “مدينتان” للروائي البريطاني شارل ديكنز جعلته يرفض إعدام الملك فاروق، مخيّرا إرساله إلى المنفى ذلك أن “الدم يفضي إلى مزيد من الدم”. كما أنه -أي عبدالناصر- كان يحرص على متابعة كلّ ما يكتبه المثقفون، والكتاب المرموقون في مصر، وخارج مصر. كما أنه كان يكنّ ودّا كبيرا لتوفيق الحكيم الذي كان قد قرأ له “عودة الروح” قبل ثورة يوليو 1952، والذي سيكتب عنه بعد رحيله كتابه الشهير “عودة الوعي”.

ويشير هيكل أيضا إلى أن عبدالناصر هو الذي وافق على مواصلة نشر كتاب توفيق الحكيم “بنك القلق” مسلسلا في “الأهرام” رغم أن المشير عامر كان قد اعتبره مسيئا للنظام، وللمخابرات المصرية تحديدا. كما أنه عاضد نجيب محفوظ لمّا شنّ عليه شيوخ الأزهر حملات شعواء إثر نشره أجزاء من روايته “أولاد حارتنا”. ويؤكد لنا هيكل أن الرئيس عبد الناصر ظلّ يحترم ويقدّر كل من د. طه حسين، وعباس محمود العقاد رغم أنهما تعاونا مع النظام الملكي الذي أطاح به. لذا يمكن القول إن الفترة الناصرية لم تكن حسب رأيه فترة عصيبة بالنسبة إلى الثقافة والمثقفين، وأن عددا مهما منهم أنتجوا أعمالهم دون أن يتعرضوا إلى قلاقل.

مع ذلك ثمة حقائق غفل هيكل عن ذكرها، أو تجاهلها، أو مرّ عليها مرور الكرام. وأول هذه الحقائق هي أن نظام عبدالناصر لم يكن رحيما بالمثقفين.

كما أنه كان يتعامل مع الثقافة من زاوية أيديولوجية ونفعية تماما مثلما هو الحال بالنسبة إلى الأنظمة الشمولية. فالثقافة عنده لا بدّ أن تخدم سياسته، وأغراضه، وأهدافه. فإن حادت عن ذلك وُوجهت بالعنف والشدة. والأمثلة على ذلك كثيرة. ففي حملة “التطهير” التي أعقبت ثورة يوليو 1952، والتي كان الهدف منها القضاء على رموز النظام الملكي المطاح به، وقعت تجاوزات خطيرة أضرّت بالثقافة وبالمثقفين.


خطأ كبير


وبسبب ذلك فقدت مصر العديد من مثقفيها وأكاديمييها المرموقين بدعوى أنهم “رجعيّون”، وجيء بالانتهازيين مكانهم، وبأنصاف الجهلة، وبأولئك الذين لا يتقنون غير التملق ليحتلوا المناصب العليا في الجامعات والمؤسسات الثقافية الكبيرة. ويذكر الراحل عبد الرحمن بدوي في سيرته أن المناصب الرفيعة داخل الجامعات المصرية صارت خلال الحقبة الناصرية حكرا على عملاء المخابرات، والخدم الطيّعين للنظام “ولم يعد أحد يعيّن في أيّ منصب من المناصب المذكورة إلاّ عندما توافق عليه أجهزة المخابرات. وبسبب تلك الطرق التعسفيّة التي انتهجها عبدالناصر، فسد التعليم في الجامعات، وفي المدارس، وشهد مستواه تدنّيا لم يسبق له مثيل.

ومنتقدا سياسة عبدالناصر، قال الروائي الكبير نجيب محفوظ: “لقد كانت أخطاء عبد الناصر كثيرة، ولكن خطأه الأكبر الذي أثار غضبي عليه هو أنه أضاع فرصة تاريخيّة نادرة لينقل مصر نقلة حضارية هائلة أشبه بما حدث في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

كانت الظروف مهيّأة له، وكنا نأمل منه الكثير الذي نتمنى تحقيقه على يديه، ولكنه أضاع الفرصة بمعاركه الكثيرة التي خاضها”. ويضيف صاحب “ملحمة الحرافيش” قائلا: “والحقيقة أن مبادئ ثورة يوليو، وأهدافها إنسانية عظيمة وكلنا حلم بها وتمناها كلّ المصريين. لكن ما حدث هو أن الثوّار لم يكونوا على مستوى الثورة ومبادئها”.

وصحيح أن النظام الناصري لم “يعاقب” عملاقي عصر النهضة، أعني بذلك طه حسين، وعباس محمود العقاد بسبب علاقتهما بالنظام الملكي، غير أنه تعامل معهما بجفاء واضح مرة، وخفيّ مرة أخرى. ومبررا ذلك يقول هيكل في حواره مع يوسف القعيد بأنه لمّا قامت ثورة يوليو، كان دور طه حسين وعباس محمود العقاد والجيل الذي ينتميان إليه قد انتهى! وهذا كلام غير مقبول على الإطلاق. فعندما قامت الثورة المذكورة كان طه حسين، والعقاد في أوج عطائهما. وبعد الثورة عاشا وقتا طويلا قدّما خلاله أعمالا وخدمات جليلة للثقافة المصرية.

عبدالناصر لم يعاقب عملاقي عصر النهضة طه حسين وعباس محمود العقاد بسبب علاقتهما بالنظام الملكي


معاداة المثقف


والشيء المؤكد أن النظام الناصري بحكم طبيعته المعادية عداء مطلقا للديمقراطية وللحرية، ظلّ ينظر إلى د. طه حسين والعقاد وإلى مثقفين آخرين من صنفهما من زاوية واحدة، زاوية التعامل مع النظام الذي أطاحت به ثورة يوليو، متجاهلا الدور الطلائعي الهائل الذي لعبوه من أجل نهضة ثقافية وفكريّة شاملة بهدف ترسيخ أسس صلبة ومتينة لعصر جديد ينتصر فيه التنوير والحرية، والتقدم والتطور.

ثم كيف يسمح عبدالناصر لنظامه بمحاسبة الآخرين بسبب علاقتهم بالنظام القديم في حين أنه يعلم جيدا هو ورفاقه أنهم كانوا ضباطا كبارا في جيشه؟ ثم هل يمكن أن ننسى المئات من المثقفين والمبدعين والفنانين التقدميين وغير التقدميين الذين ألقي بهم في السجون بمقتضى أحكام جائرة، وبسبب مواقفهم، وأفكارهم المتعارضة مع توجهات النظام الناصري، أو منتقدة له ليمضوا في الزنازين، وفي المحتشدات الرهيبة سنوات طويلة ذاقوا خلالها ألوانا من العذاب والإهانات، بل إن البعض منهم قضى تحت عصيّ الجلاّدين وهراواتهم! ثم هل يكفي أن يعاضد عبدالناصر نشر رواية “أولاد حارتنا”، أو أن يقلد وسام “النيل” لطه حسين، وأن يستقبل سارتر وسيمون دو بوفوار لكي تتمّ تبرئة نظامه من كلّ الجرائم التي ارتكبها في حقّ الثقافة والمثقفين؟ ويتباهى هيكل بأن عبدالناصر كان “أسطورة”.

لذا فإن ألسنة البعض من الشعراء والكتاب من أمثال صلاح عبدالصبور، كانت تنعقد في حضرته، فلا تستعيد قدرتها على الكلام إلاّ عندما ينتهي اللقاء معه. ورأيي ليس على هذه الصورة. فالشاعر لا يخاف الأسطورة ولا يخشاها لأنه صانعها، ومبتكرها، وإنما هو يخشى ويخاف الديكتاتور، والحاكم المستبد لأنه يعلم جيّدا أن القلم ليس بإمكانه أن يعادل السيف. وظني أن الذين انعقدت ألسنتهم في حضرة عبدالناصر لم تكن بسبب كونه “أسطورة”، وإنما لأنهم كانوا يعلمون أن زلّة لسان واحدة قد يدفعون ثمنها غاليا!

ويحاول هيكل أن يوهمنا بأن عبدالناصر كان رجلا متواضعا، يكره عبادة الشخص، ويمقت المتزلفين من الكتاب والفنانين الذين كانوا يكتبون أو يغنّون لتمجيده والإعلاء من شأنه.

غير أن هناك أشياء كثيرة تتناقض مع مثل هذا الكلام. والتاريخ يقول لنا بأن عبدالناصر لم يكن يستمع إلاّ لمن لا يعارضه في رأي، أو فكرة، وأنه لم يفعل أيّ شيء لتعطيل حركة أولئك الذين كانوا يتسابقون، بل يتقاتلون للتقرب منه ومن نظامه. وربما لهذا السبب اندثرت الناصرية حال رحيل صاحبها، ولم يتبقّ منها ما يمكن أن يضمن لها شرعيّة الوجود، والتواصل مع التاريخ ومع الحياة!

11