العلاقة بين الفنان والغاليري تحول الإبداع إلى عرض وطلب

تنتشر في القاهرة الكثير من قاعات العرض التشكيلي التي تقدم نوعيات مختلفة من الفنون، وخلال العقد الأخير تضاعفت أعداد هذه القاعات، وهو ما يتناقض مع حالة الركود الاقتصادي الذي تشهده مصر منذ سنوات، ما يضع علامات استفهام حول طبيعة هذه السوق الفنية وقدرتها على الصمود أمام التحديات الاقتصادية.
الأربعاء 2017/11/08
قاعات تنتصر للهوية والأصالة وأخرى للفن المعاصر

القاهرة – على عكس ما يشاع يرى بعض جامعي الأعمال الفنية في مصر أن الاستثمار في العمل الفني، هو الأفضل في زمن الأزمات الاقتصادية، فالعمل الفني تزيد قيمته مع مرور الوقت، أو على الأقل يظل محتفظا بقيمته، الأمر فقط يحتاج إلى عين مدربة وخبرة في انتقاء الأعمال كما يقول أحمد الكومي أحد جامعي الأعمال الفنية، والذي لا تعنيه شهرة الفنان أو عدم شهرته، كما يقول، فما يلتفت إليه أولا هو أصالة العمل وقيمته الفنية، ما يعكس وعيا فنيا وقدرة على التطور في المستقبل.

يعمل أحمد الكومي في إحدى الشركات العاملة في البورصة المصرية، وقد بدأت هواية جمع الأعمال لديه منذ خمس سنوات تقريبا، حين زار مع صديق له واحدة من قاعات العرض في القاهرة فجذبته الأعمال وطريقة العرض، فانتقى واحدة من اللوحات المعروضة واشتراها لوضعها في بيته الجديد الذي كان يؤسسه في ذلك الوقت، غير أنه كرّر الأمر مرات عدة، وأصبح مواظبا على متابعة المعارض، أما اقتناء الأعمال فقد أصبح هوايته المفضلة التي لا يستطيع التخلي عنها، كما يقول.

وعادة ما يتركز وجود القاعات الفنية في قلب الأحياء الراقية أو وسط المدينة، لسهولة الوصول إليها من ناحية، ولقربها من ناحية أخرى من الشرائح المستهدفة من “العرض”، ونقصد بالعرض هنا معناه التجاري المباشر الذي ينظر إلى الأعمال الفنية كسلعة خاضعة للعرض والطلب، والشرائح المستهدفة هنا هي تلك الشرائح القادرة على اقتناء تلك السلعة.

وتستثنى من ذلك قاعات العرض الرسمية، ليس لأنها خارج منظومة العرض والطلب، بل لأن الأمر يُمارس من خلالها على نحو غير مباشر في أغلب الأحيان.

التشكيلي المصري جورج البهجوري رغم قيمته الفنية تعرض بدوره لعملية تحيل

ولعل منظومة العرض والطلب في سوق الفن تمثل إشكالية شديدة التعقيد في العالم أجمع ولها انعكاساتها وتأثيرها على تاريخ الفن العالمي أيضا، وهي منظومة يتجاذب أطرافها ويؤثر فيها الفنانون ورعاة الفن وجامعو الأعمال الفنية والنقاد على حد سواء.

وبين القاعات الكثيرة المنتشرة في القاهرة والإسكندرية، وهما المدينتان الرئيسيتان اللتان تضمان العدد الأكبر من قاعات العرض في مصر، يمكنك أن تتبين فروقا بين توجهات هذه القاعات، وهي فروق تتباين وفقا لتوجهات أصحاب هذه القاعات وقناعاتهم الشخصية.

فبين أصحاب هذه القاعات هناك من يتبنون أنماطا بعينها من الأعمال الفنية تعكس رؤيتهم الضيقة إلى معنى الهوية والأصالة، وهما المفهومان اللذان يتمّ التعاطي معهما عادة بالكثير من الجدل، فهناك من ينظر إلى الهوية، ويحصرها في التعامل مع العناصر والرموز المحلية، وهناك أيضا من يسمح ببعض التحرّر في تناول العمل الفني من دون الابتعاد في نفس الوقت عن الأساليب التقليدية في الممارسة الفنية.

والمقصود هنا، تلك الممارسات الأكاديمية الراسخة للفن الحديث، والتي لا تخرج عادة عن الصياغات التصويرية والنحتية، ولكن إلى جانب ذلك هناك قاعات أخرى لها توجهات معاصرة ولا تأنف من عرض الممارسات غير التقليدية أحيانا ضمن برنامج عروضها.

يحاول القائمون على معظم القاعات المصرية المواءمة بين القيمة الفنية ومتطلبات السوق قدر الإمكان، وهم يلجأون في الغالب لتحقيق ذلك إلى الاعتماد على أسماء معروفة، أو من يسمون بالنجوم في عالم التشكيل، فأعمالهم مضمونة البيع إلى حد كبير، إلاّ أن الاعتماد على تلك الأسماء قد ينطوي أيضا على بعض المعوقات، فغالبا ما تكون لتلك الأسماء شروط معينة ولا تقبل بسهولة بهامش الربح الذي تضعه القاعة كنسبة لها من المبيعات.

وللتغلب على ذلك الأمر تلجأ بعض القاعات إلى المواهب الشابة منتقية من بينهم أصحاب الأعمال المميزة، غير أن الأمر ينطوي أحيانا على نوع من الاستغلال، فالكثير من الفنانين الشباب يقبلون بشروط مجحفة من أجل إتاحة الفرصة لهم لعرض أعمالهم.

أعمال فنية تخضع لشروط أصحاب قاعات العرض المجحفة

وكثير ما يقع هؤلاء الفنانون ضحية لعمليات تحايل من قبل القاعات نفسها، وهو تحايل لا يأمن منه كبار الفنانين أيضا، وهناك حادثة معروفة تعرض لها الفنان الشهير جورج البهجوري مع القاعة التي تعرض أعماله في القاهرة، والتي استغل صاحبها علاقته بالفنان واستولى على عدد كبير من أعماله ولم يقم بإعادتها حتى اليوم، رغم المطالبات المستمرة وحملات التضامن التي دشنها محبو البهجوري وتلامذته.

ويروي الفنان كريم رفعت، وهو فنان حديث التخرج، تجربة مشابهة تعرض لها حين شارك في معرض جماعي مع فنانين آخرين نظمته إحدى القاعات في القاهرة، وكان الاتفاق أن يحصل الفنانون على نصف قيمة العمل حين يتم بيعه وهي نسبة مرتفعة، لكنه قبل بها هو وزملاؤه من أجل عرض أعمالهم، ورغم ذلك خالفت القاعة الاتفاق، كما يقول الفنان، معتمدة على عدم وجود تعاقد في ما بينها وبين الفنانين المشاركين في العرض، وبدلا من الحصول على نصف القيمة وجد كريم نفسه لا يتحصل سوى على ربع هذه القيمة التي تم بيع أعماله بها.

وتخلق مثل هذه الحوادث نوعا من عدم الثقة بين أصحاب القاعات والفنانين، وللتغلب على هذا الأمر تحرص بعض القاعات على وجود اتفاق مكتوب على هيئة عقد مع من تعرض لهم.

وقاعة “الزمالك للفنون”، هي واحدة من بين هذه القاعات التي تم إنشاؤها قبل عشر سنوات في حي الزمالك العريق في القاهرة، والذي يضم عددا لا بأس به من قاعات العرض، تحاول القاعة بناء الثقة بين الفنان والغاليري من خلال حرصها على وجود اتفاق مسبق بينهما، وهي القاعة الوحيدة تقريبا من بين القاعات الموجودة في القاهرة التي تعتمد في عملها على ما يسمى بـ“راعي الفنون”، وتقتصر القاعة التي تديرها اللبنانية ناهدة الخوري على عدد من الأسماء الفنية، تعرض إنتاجها من خلال معرض واحد فقط في الموسم لكل فنان.

ورغم ما يشوب عمل وتوجهات تلك القاعات والمؤسسات الفنية الخاصة، إلاّ أن هناك من يرى أن لها دورا بالغ الأهمية، فرُعاة الفن من أصحاب القاعات والمؤسسات الفنية الخاصة يقومون بدور هام في حركة التشكيل العالمي وليس المصري فقط.

وفي ما يخص الوسط الثقافي والفني المصري والعربي بشكل عام يرى البعض أن القاعات الخاصة أو المؤسسات الفنية لم تصل إلى هذه الدرجة من التوحش أو السيطرة، كما هو عليه الحال في الغرب.

16