العلامات التجارية الشهيرة شغف للبنات وأرق للآباء والأمهات

تحوّل اقتناء السلع ذات العلامات التجارية العالمية الشهيرة باهظة الثمن في هذه الأيام إلى "هوس" وثقافة منتشرة بين طلاب وطالبات المدارس في الكثير من الدول العربية، اعتقادا منهم بأنها ترفع مكانتهم الاجتماعية، وتزيد احترام الآخرين لهم، بل أصبحت "الماركات" مجالا للمباهاة والتنافس، حتى بات الآباء والأمهات يجاهرون بالشكوى.
الأحد 2016/10/09
الطالبات هن الأكثر ميلا للتباهي

قبل بداية العام الدراسي بأيام، وجهت إحدى مديرات مدارس اللغات الشهيرة بالقاهرة للبنات، رسالة إلى أولياء أمور الطالبات، قالت فيها “ساعدوني لنعلم بناتنا، إننا عندما نختار في حياتنا لا داعي للماركات المشهورة، في الحقائب والأحذية، وتعالوا نشتري المعقول، وليس ضروريا أن ‘تتكلم’ الحقائب أو ‘تنوّر’ الأحذية، أو أن تكون على الأدوات صور للمشاهير، فهناك من لا يستطيعون شراء تلك الماركات، و’سينكّدون’ على أهلهم، بل وسيمتلئون بالحقد والحسد”.

الرسالة التي وجهتها مديرة المدرسة سلوى جوزيف حملت بين ثناياها الكثير من المعاني، ولاقت ترحيبا شديدا من أولياء الأمور، خاصة بعد الارتفاع الصارخ في أسعار المستلزمات المدرسية، مثل الأقلام والحقائب المستوردة، بسبب ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، وأشارت تعليقاتهم إلى أن أسعار “الماركات” العالمية مرتفعة جداًّ، ولا تتناسب مع الأوضاع المادية الحالية للكثير من الأسر.

لكن الصعوبة كانت في كيفية مواجهة إصرار وحرص بناتهن على الشراء، أسوة بزميلاتهن في المدرسة، اللاتي يتباهين مع كل موسم دراسي جديد بما اشترينه من حقائب مدرسية وملابس وأدوات.

نسبة كبيرة من الطلاب والطالبات لديهم حسابات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتبارون من خلالها في نشر صور عن حصيلة تسوّقهم من تلك الماركات، ما يثير غيرة الآخرين، ويضغطون على الآباء للحصول على المثل.

المشكلة أن الأجيال الجديدة لديها اقتناع تام بأن “الماركات” الأصلية عنوان لشخصيتهم، وجواز سفرهم للمرور بين الناس، وكأنّ قيمة الإنسان تُحدَّد بـ”الماركة” التي يرتديها، وصارت معايير التقييم مرتبطة بالملابس والحقائب والأحذية، وشاع المثل “قُل لي ماذا ترتدي أقل لك من أنت”.

أكدت آمال آسر (طالبة بمدرسة لغات) أنها تلتزم بتوجهات المدرسة بشأن السلوكيات الإيجابية، إلا أنها ترى أن شراء الأنواع الفاخرة من المستلزمات الدراسية لا يتنافى مع تلك السلوكيات، فجميع صديقاتها يشتري الحقائب والأحذية ذات الماركات العالمية، حيث تتميز بمواصفات عالية الجودة، وهي مرتفعة السعر لأنها الأفضل من ناحية الألوان والتصاميم، وتدوم لفترة أطول من تلك الأخرى المحلية.

وذكرت آمال لـ”العرب”، أنها لا تقبل أن يكون مظهرها أقل منهنّ، فحتى لو كانت “الماركات” مكلفة ماديا، غير أن النظرة السلبية تجاه أيّ طالبة لا تحمل حقيبة مدرسية من ذات المستوى، أو لا ترتدي حذاء غالي السعر، تكون أكثر تكلفة معنويا ونفسيا.

وشهدت الفترة التي سبقت دخول المدارس وجود الإعلانات التجارية في الشوارع وعلى أغلفة المجلات وبعض وسائل الإعلام، التي تشجّع على شراء الماركات العالمية، مثل “ديزني وأديداس، ونايك وبوما.. وغيرها”، لحقائب وأحذية وملابس.

لم تسلم المستلزمات الدراسية من الأمر، حيث حرص الطلاب على شراء ماركات عالمية من الأقلام وألوان الرسم والأدوات المدرسية، التي تبلغ قيمتها أضعاف أسعار الأنواع الأخرى، ومنها الحقائب التي يصل سعر الواحدة منها إلى أكثر من ألف جنيه (نحو 100 دولار).

الأجيال الجديدة لديها اقتناع تام بأن "الماركات" الأصلية عنوان لشخصيتهم، وجواز سفرهم للمرور بين الناس، وكأن قيمة الإنسان تحدد بـ"الماركة" التي يرتديها، وصارت معايير التقييم مرتبطة بالملابس والحقائب والأحذية

كما أن الألوان الأصلية يصل سعر العلبة منها إلى 50 دولارا، بينما الألوان العادية لا يتجاوز سعرها الـ10 دولارات فقط، ويتكالب الطلاب على شراء أنواع مرتفعة الثمن من الدفاتر، يصل سعر الواحد إلى أكثر من 20 دولارا، بينما لا يتجاوز سعر العادي منها 3 دولارات.

وأكد متخصصون في مراكز تأهيل الطفل لـ”العرب” أن ظاهرة “السفه الشرائي” والتسوق غير المسؤول، والذي لا يتناسب مع الدخل والحالة الاجتماعية والاقتصادية للفرد، سببه مشاكل وعقد نفسية لدى الطلاب، كونهم في صراع مع طبقات المجتمع الراقي، ومع أنفسهم. ويحاول الطلاب التغلب على ذلك بالاعتماد على المظاهر لإثبات الذات، واقتناء ماركات عالمية، للتباهي وحبّ الظهور ولفت الأنظار، ولا يهمّهم، إذا تسبب شراء تلك المقتنيات في أزمات مالية لذويهم.

على جانب آخر، هناك من تربّي منذ الصغر على ارتداء الماركات واقتنائها، وبالنسبة إليهم، فإن هذا أمر طبيعي ولا غبار عليه، لكن المشكلة عند استقلالهم عن الأهل، وتغيّر ظروف حياتهم المادية، وقتها يكتشفون مدى غلاء الماركات، فيضطرون للتخلّي عن التعلّق بها، والاكتفاء بما هو مُقلّد، ما يولّد لديهم مشكلات نفسية مع الذات.

وترى سميرة عبدالخالق مديرة مدرسة بمدينة ميت غمر (محافظة الدقهلية-شمال القاهرة) أن القضية لم تتحول في مدرستها إلى حد الظاهرة، والممارسات أغلبها من الطالبات، ولا تنتشر وسط البنين.

وأضافت لـ”العرب” أن الطالبات هنّ الأكثر ميلا للتباهي بشراء أغلى المستلزمات الدراسية، مشددة على أن استخدام الطالبات للماركات والأشياء الثمينة، من شأنه أن يحدث نوعا من الغيرة، فمستويات الطلاب مختلفة، وهناك من لا يستطيع شراء الماركات، ما يسبب الحقد بين الطلاب، وربما يصل الأمر إلى أن يلجأ بعضهن للكذب والحديث عمّا لا يملكن، وهذا السلوك لا يليق بالأخلاقيات التربوية.

ونبهت إلى أن الإدارة تتواصل مع أولياء الأمور من خلال الرسائل النصية، وتوزيع المنشورات وصفحات التواصل الاجتماعي، للتصدي لكافة المظاهر التي يمكن أن تعوق العملية التعليمية، فالمدرسة لها دور كبير في مكافحة هذه الأمور عبر الإجراءات الإدارية، وإلزام الطالبات بتوحيد الأشياء، بداية من الزيّ والحذاء والحقائب وحتى الأدوات، كي يكون هناك تقارب بين الطالبات وعدم التمييز بينهن.

وأضافت أنه ليس من الممكن إعفاء الأهالي من تمسك أبنائهم بشراء الماركات والتبضع المفرط، فطبيعة إنفاق الوالدين تشكّل الفكر الاستهلاكي لدى الأبناء، والعديد من الأهالي ساهم في تعزيز هذا النوع من الشراء عند الأبناء بسبب غياب الثقافة الاستهلاكية السليمة، فبعض الأسر تسعى إلى تأكيد وضعها الاجتماعي ومكانتها من خلال ما تقتنيه من ماركات.

وقال محمد عبدالواحد، أستاذ الطب النفسي بالقاهرة لـ”العرب”، إن السلوك الاستهلاكي عند الأبناء انعكاس لما يتعلّمونه داخل الأسر، وتعزز “ثقافة التميز″ هذا النوع من الشراء، فالبعض عند اقتناء ماركة شهيرة يشعر بتوازن نفسي مصطنع، يكسبه إحساسا بالتميز ومساواة الآخرين من الطبقات المخملية.

ولفت إلى أن شعور الطالب الفقير بالنبذ الاجتماعي، بسبب ما يرتديه، يقف وراء اضطراره إلى تغيير جلده في بعض الأحيان، وشراء المستلزمات المقلّدة، حتى ينال شهادة الرضا من المحيطين به.

غير أن إرضاء الناس جميعا غاية لا تُدرك، لذلك من الضروري غرس القيم التي تحدد اتجاهات الأبناء، ومساعدتهم لتأكيد ذواتهم عن طريق مكتسباتهم المعنوية، وليس عن طريق المظاهر المادية، لأن جذب نظر الآخرين لا يكون بالماركات بل بالأخلاقيات، وأكثر الناس مبالغة في اقتناء الأشياء غالية الثمن، ربما كانوا من أكثر الناس عيبا ونقصا.

كاتبة من مصر

21