العلاوة الجديدة للمعلمين في الأردن لا تطرد شظف العيش

معلمون يؤكدون أن العمل الإضافي أصبح ضرورة ملحّة لمجابهة متطلبات الحياة اليومية على حساب الصحة والعائلة والطلبة.
الاثنين 2019/10/07
تحسن وضع المعلم ينعكس على الطالب

طال غلاء المعيشة في الأردن جميع المنتمين إلى الطبقات المتوسطة فتدحرجوا إلى الطبقة الفقيرة، لا يستطيعون تأمين متطلبات الحياة، فدخلوا في إضراب حصلوا بعده على علاوة مع بداية السنة الجديدة لكنها لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فهم مضطرون للعمل الإضافي والتضحية بالعائلة والصحة.

عمان – يؤكد أستاذ العلوم محمد الذي اعتاد أن ينهي دوامه في المدرسة ليبدأ دوام عمل ثان شاق في توصيل طلبات الطعام إلى المنازل بسيارة صغيرة، يتنقل بها في شوارع عمّان المزدحمة، إنه دون هذا الدخل الثاني لا يستطيع تأمين لقمة العيش له ولزوجته.

كان محمد قد دخل مع أكثر من مئة ألف معلم حكومي آخرين في الثامن من سبتمبر في إضراب مفتوح استمر شهرا كاملا مطالبين بعلاوة نسبتها 50 بالمئة على راتبهم الأساسي، في بلد يبلغ معدل أجور المعلمين الشهرية فيه نحو 600 دولار.

وقررت الأحد نقابة المعلمين في الأردن إنهاء الإضراب بعد توصلها إلى اتفاق مع الحكومة، يحصل بموجبه المعلمون على زيادة تتراوح بين 35 و75 بالمئة على رواتبهم الأساسية، بدءا من مطلع العام المقبل.

ودعت النقابة نحو مليون ونصف مليون طالب وطالبة إلى العودة إلى مقاعد الدراسة، اعتبارا من صباح الأحد في نحو أربعة آلاف مدرسة حكومية، مؤكدة أنها ستتفق مع وزارة التربية على خطة لتعويض الطلبة كل ما فاتهم من دروس.

وعد بتدارك ما فات
وعد بتدارك ما فات

وعبّر العديد من الطلبة الذين حملوا حقائبهم نحو مدارسهم عن فرحتهم الغامرة باستئناف الدوام المدرسي الذي اشتاقوا إليه بعد عطلة طويلة، كما رحّب أولياؤهم بالخطوات التي اتخذت

من قبل المعلمين والأساتذة، خاصة وأنّ أبناءهم بحاجة إلى تعويض ما فاتهم من الأيام الدراسية، لاسيما في المراحل الثانوية، مشيرين إلى أنّ العلم هو خط الدفاع الأول في التغلّب على الأفكار الشاذة ومحاربة الجهل.

ويفضّل محمد (36 عاما) الحاصل على شهادة بكالوريوس في العلوم، ويعمل في مهنة التدريس منذ أكثر من ثمانية أعوام، عدم الكشف عن وجهه واسمه الحقيقي الكامل كي لا يتم فصله من عمله الحكومي، لأن القوانين لا تسمح لموظفي الدولة بالعمل بدوام ثان.

ويقول، “أنا مضطر أن أعمل بعد دوام المدرسة لأن راتبي لا يكفي لشراء الاحتياجات الأساسية للمنزل. الحياة صعبة جدا، وحتى مع هذه الزيادة على راتبي والتي تقدّر بين 50 و60 دينارا (70 إلى 90 دولارا) أنا مضطر لأن أحافظ على عملي هذا لأن الزيادة غير كافية ودون مستوى الطموح”.

ويأتي محمد كل يوم من محافظة مادبا (32 كلم جنوب عمّان) ليعمل في توصيل طلبات الطعام إلى المنازل في عمّان لمدة ثماني ساعات يوميا، بعد انتهاء ساعات الدوام الرسمي للمدرسة. ويكسب من خلال هذا العمل الإضافي نحو 300 دينار شهريا (حوالي 430 دولارا).

فرحة العودة
فرحة العودة  

ويوضّح أن الراتب الذي يتقاضاه شهريا من التعليم يبلغ 430 دينارا (حوالي 600 دولار) يذهب أكثر من نصفه تقريبا للبنوك نتيجة قروض استلفها من أجل إتمام متطلبات زواجه قبل نحو ستة أعوام، ويبقى له 200 دينار (حوالي 300 دولار)، وهو مبلغ ضئيل للعيش في بلد يشهد غلاء أسعار ويعاني من مشاكل اقتصادية جمّة.

ويضيف بحزن، “الراتب لا يكفي طبعا (…) أنا لا أعيش مثل بني آدم. نأكل أكثر أنواع الطعام رداءة ونلبس كذلك ملابس رديئة”، مشيرا إلى أنّ الكثير من المعلمين الذين لديهم خدمة 15 و20 عاما يضطرون إلى شراء ملابس مستعملة.

ويتابع، “مع الأسف، وظيفة الأستاذ صارت من أرذل الوظائف وهي في ذيل الوظائف، حتى إنك عندما تتقدّم لطلب فتاة للزواج لا يوافق أهلها إذا عرفوا أنك أستاذ مدرسة. هم على استعداد أن يقبلوا بميكانيكي ونجار، ولكن ليسوا على استعداد للقبول بالأستاذ بسبب وضعه الاجتماعي والمادي”.

ويستدرك محمد “لستُ ميتا من الجوع، لكنّ متطلّبات العصر الحالي هي التي تضايقني ويصعب عليّ ألاّ ألبّيها لأنني سأصبح متخلّفا”.

ولا يكفي راتب محمد، بحسب قوله، “لشراء ملابس جديدة أو هاتف نقال حديث أو شاشة تلفاز مسطحة أو الاشتراك في خط إنترنت سريع”.

كما يشكو محمد من أن “التأمين الصحي للمعلمين سيء جدا”، قائلا “إذا اضطررتُ للذهاب إلى طبيب أو مستشفى خاص مرة واحدة في الشهر، فإنني سأنفق نصف راتبي”.

ويقول الناطق الرسمي باسم نقابة المعلمين نورالدين نديم (49 عاما) الذي يعمل سائق سيارة أجرة بعد انتهاء دوامه كأستاذ تربية إسلامية، “كل المعلمين لا يستطيعون أن يعتاشوا من دون عمل ثان، لأنّ  الراتب لا يكفي لإيجار بيت ومصاريف الأولاد والكهرباء والمياه والطعام والشراب”.

ولا يخشى نديم أن يكشف أنه يعمل في مكان ثان، ويقول بتحدّ “الناس يريدون أن يعيشوا، الرواتب تآكلت بسبب التضخّم الاقتصادي والغلاء المعيشي ووضع البلد الصعب”.

التعب والإرهاق ينعكس على مستوى تقديم الدروس
التعب والإرهاق ينعكس على مستوى تقديم الدروس

ويتقاضى نديم الذي يعمل في التدريس منذ 23 عاما، 600 دينار شهريا (850 دولارا). ويقول “أشعر بوجع كبير عندما أقود سيارة الأجرة، ويؤشّر لي أحد طلابي ويصعد معي في السيارة ويحاسبني بدينار أو دينارين”.

ويتساءل بحزن، “المعلم عندما يغيب عن بيته لمدة 16 أو 18 ساعة، متى سيتسنّى له الجلوس مع أهله وأولاده الذين يشتاقون إليه؟ المعلم عندما يعود إلى المدرسة من نوبة حراسة ليلية، كيف سيكون بإمكانه الوقوف متزنا أمام طلابه وهو متعب منهك مرهق؟”.

ويروي أن معلمة تعاني من مرض السرطان اضطرت للعمل بعد الدوام، فاكتشفت وزارة التربية الأمر ووجّهت لها إنذارا وخصم راتب، وتم تغريمها بـ2070 دينارا تقريبا (حوالي ثلاثة آلاف دولار) عن الفترة التي عملت فيها”.

ويؤكد معلم المدرسة إبراهيم، أنه “حتى علاوة الـ50 بالمئة لا تلبّي الحد الأدنى لمتطلباتهم”. ويشير إلى أن حصول المعلمين على هذه العلاوة سيعني أن راتبه سيزيد أقل من 130 دولارا، متسائلا “هل يعتقدون أن هذا المبلغ كاف لحلّ مشاكلنا المالية؟”.

20