العلة البغدادية والحل الدمشقي

الجمعة 2014/07/04

أصبح لـ«الدولة الإسلامية» خليفة تجب على المسلمين مبايعته، وأعلن تنظيم داعش أن نشاطه لم يعد يقتصرُ على العراق والشام، بل أضحى دولة إسلامية على «أرض الله الواسعة» أُعلن قيامها في الأول من رمضان، وبايع داعش أبا بكر البغدادي خليفة للمسلمين، معلنا أن لا حدود بعد اليوم في دولة الإسلام.

أمرُ الدولة الإسلامية لم يعدْ محليّا بين عراق وشام، بل أمميّا يحاكي المسلمين في أقاصي الشرق كما في أقاصي الغرب (على ما أعلن الناطق الرسمي باسم التنظيم أبو محمد العدناني). وإذا ما كانت أعراض تلك الدولة وعلاماتها واضحة في الأنبار ونينوى وصلاح الدين في العراق والرقة ومناطق أخرى في سوريا، فإن سيناء في مصر ومناطق الجنوب في اليمن، وبشكل أخف معان جنوب الأردن وشمال لبنان (الذي قيل أن تحقيقات كشفت أن داعش عيّن عبد السلام الأردني أميرا عليه )، قد تكون أولى الميادين المعنية بإعلان داعش الرمضاني.

وسواء كان داعش ظاهرة إعلامية لا تفسّر تطورات ما جرى في العراق، أو كان داعش أداة من أدوات الأجهزة الإقليمية والدولية، على ما يحلو للخبراء الإفتاء به، وسواء يستفيدُ داعش من لحظة اختلال في العراق وبعدها في سوريا، فإن التنظيم بات حقيقة يقضّ مضجع أنظمة وتيارات وقبائل وطوائف وأصحاب قرار، ويلهث وراء حيويته باحثون ومتابعون وخبراء.

لحظةُ داعش ليست وليدة الساعة وليست ردّ فعل نزق على فعل طائش. يتغذى التنظيم من زاد فكريّ عتيق يستند إلى السلفية الجهادية (كما نظّر إليها أبو محمد المقدسي من بين آخرين)، ويستظل بمرجعية القاعدة، سواء بطبعة أسامة بن لادن التي اتّسق معها، أو بطبعة الظواهري التي تناقض معها. تربى التنظيم وترعرع (منذ أبو مصعب الزرقاوي) في موسم الاحتلال الأميركي للعراق، وراج من ثمار ما خلّفه هذا الاحتلال في قلب العراق وقلوب بعض العراقيين.

والمهم في تلك الحكاية أن التنظيم القاعدي في العراق كما في سوريا (من خلال داعش والنصرة) ينهلُ زاده البشري من بيئة سنّية ملائمة وجاهزة. لم يكن للتطرف أن يجد له ملاذا وأنصارا ومريدين في زمن غير هذا الزمن. تولى الاحتلال الأميركي في العراق تطبيق سياسة أشرف عليها بول بريمر اعتمدت على تمكين الشيعة في السلطة، وتهميش السنّة وإحالتهم إلى قوة اعتراض يتصاعد الغضب في داخلها ما يفسر ولا يبرر الانزلاق نحو العنف والعبث.

أنشأ البريطانيون الكيان العراقي من خلال جمع مكوناته الثلاثة، الشيعة والسنة والأكراد، فيما أتت المقاربة الأميركية على أيّ توحد بينهم. أرسلت فضيحة سجن أبو غريب الأميركية إشارة إلى العالم عما يعانيه السنّة من فظائع في عصر الحكم الأميركي- الشيعي. ولم تخفف المشاركة السنّية في العملية السياسية من شعور جمعي عام لدى السنّة من هامشية حضورهم وثانوية دورهم في إدارة شؤون بلدهم ورسم آفاق مستقبله.

في السنوات الأولى التي تلت الاحتلال، بثّت الحكومات العراقية المتتالية، وصولا إلى حكومات نوري المالكي، إعلانات تلفزيونية تحثّ المواطنين على الحذر من الإرهاب والوشاية بالإرهابيين. بدت تلك الاعلانات صادرة عن سلطة احتلال، لا عن سلطة وطنية. بدا الكلام عن الإرهابيين كلام عن أولئك السنّة منهم، وبدا أن تلك الإعلانات موجّهة للمواطن الشيعي، فيما ذلك السنيّ يشعر أنها تتقصده.

وبغض النظر عن المرامي التقنية الأمنية لتلك الإعلانات، فإن مضمونها ولغتها وحتى لهجة من يتلو نصوصها كانت توحي بجسامة المأساة المذهبية التي يغرق البلد في أوحالها. وإذا ما أعادت تجربة «الصحوات» وصلا مع المحتل، وعكست مزاجا سنيا عشائريا ضدّ الإرهاب، فإن سياسات المالكي، بعد ذلك، المهمِّشة حتى للصحوات والملاحقة لرموز السنة المنخرطين داخل العملية السياسية، عكسَت قناعة مفادها أن ما يطلق عليه «تهميشا» و«اجتثاثا» هو شرط وجودي من شروط الحكم الجديد، وسلوك حتمي دائم لتمكين الحاكم.

وإذا ما كانت البيئة السنّية العراقية قد باتت ميدانا خصبا للتطرف، فإن الحراك السوري منذ عام 2011 وفّر بيئة مماثلة داخل الطائفة السنّية هناك. وأمر ذلك لا يعود فقط لظروف الصدام الحديث بين حكم ومعارضة، بل يعود إلى سياق تاريخي عتيق تفاقم منذ استيلاء الأسد الأب على السلطة في دمشق، وظهر صراع بين التديّن والعلمانية تارة، أو بين السنّية السياسية والعلويّة السياسية تارة أخرى.

تزيلُ داعش الحدودَ بين سوريا والعراق، وهو أمرٌ عجز حزب البعث العروبي الوحدوي عن فعله طوال عقود من سطوته على الأمور في بغداد ودمشق. في اختفاء حدود داعش بين البلدين، يذهبُ العالم باتجاه التصدي لداعش وفق مقاربة واحدة لحلّ مأزق البلدين. ولئن كانت أعراض الاهتمام الدولي بالتطور في العراق بارزة واضحة في تتالي المواقف وتزاحم التصريحات وتدفق الزائرين، فإن المقاربة العراقية للمعضلة تحتوي، ضمنا وحتما، نفس المقاربة بالنسبة لسوريا.

يعترف العالم، بما يشبه الصحوة، أن كارثة داعش تقتات من علل الحاكم في بغداد. في هذا الاعتراف جانبان. الأول يعبّرُ عن جدية الخطر «الوجودي» الذي يهددُ النظام السياسي في العراق وربما الكيان العراقي برمته، ما يستدعي عجالة في إرسال ما يرفد المنظومة الأمنية للحكم في بغداد. الثاني يعبّرُ عن قناعة، باتت مسلّمة، وهي أن الحلول الأمنية، على أهميتها، لا تقضي على الإرهاب، وأن حلولا سياسية جذرية يجب أن تطال سلوك الحكم والحاكم في بغداد. في تأمل مضمون الرسائل التي صدرت في واشنطن ولندن وباريس، كما في التي جاهر بها وزيرا خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا في بغداد ما يفيد عن فلسفة العالم الجديدة لمكافحة الإرهاب.

لكن اللافت أيضا ان جون كيري الأميركي كما وليام هيغ البريطاني تقصّدا، من داخل أو خارج السياق، توجيه رسائل إدانة من بغداد ضدّ الرئيس بشار الأسد في دمشق، وتكرار تأكيد دعم المعارضة السورية المعتدلة، على نحو يوحي بأن العالم الغربي، وإن كان ما زال يتعامل مع نوري المالكي (على عكس الحال مع الأسد)، فإن مقاربته السورية قد تنسحب على الشأن العراقي أيضا، لجهة إدانة الحكم والحاكم، وتأييد من يمثل اعتدالا داخل المعارضة العراقية (وهي تمتد بين السنّة والشيعة والأكراد). الرسالة تقول أيضا إن التدخل الدولي (بأشكال مختلفة) لحلّ النزاع السوري بات حاجة إلى الإطاحة بكابوس الإرهاب في البلديْن.

فهمت بغداد وطهران رسائل الغرب جيدا على نحو يفسّرُ تعنّت نوري المالكي ورفضه تشكيل حكومة وحدة وطنية (مع التشكيك أساسا في قدرته على تشكيلها)، كما يفسّرُ تمسّك طهران بالمالكي، ورفضها ما اعتبرته تدخلا أجنبيا في شؤون العراق، وبالتالي رفضها التخلي عن نفوذها في ميادين أخرى (سوريا) الذي باتت المقاربات الدولية الجديدة تقرع أبوابه. بكلمة أخرى، بدا أن الجهد الدولي لمكافحة داعش (حتى من قبل موسكو أيضا) بات يصطدم بالمصالح الإيرانية في المنطقة، وبدا بشكل سريالي أن بقاء داعش يستفيد من بقاء هذه المصالح، ويتقاضم وجوده بتقاضم وجودها.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

8