"العلماء الأفارقة" بالمغرب.. خطوة هامة لمحاربة الإرهاب

لا ينفك المغرب يبحث ويستنبط طرقا وحلولا لاحتواء ظاهرة الإرهاب ليس على المستوى الداخلي فقط بل وأيضا في المحيط الأفريقي، وقد بات نموذجا رائدا في هذا المجال تنهل من تجربته دول عديدة.
الأحد 2016/07/10
المغرب منارة الاعتدال

الرباط – تشكّل مؤسسة “محمد السادس للعلماء الأفارقة”، التي تضم العشرات من علماء الدين الإسلامي من 31 دولة أفريقية، خطوة هامة في طريق محاربة “التطرّف” و”الإرهاب”، في ظلّ ارتفاع مخاطرهما بالقارة.

ويرى باحثون أنه لضمان فاعلية أكبر للمؤسسة لا بد من إشراك خبراء من تخصّصات أخرى لأن محاربة “الإرهاب” تقتضي إيجاد أجوبة للعديد مِن التساؤلات المرتبطة بهذه الظاهرة المعقدة والتي أساسها اجتماعي واقتصادي وفكري، أما الدين فهو مجرد غلاف.

ودعا الباحثون إلى الجرأة الفكرية في النقد، ومراجعة الخطاب الديني، ليكون مواكبًا لتحولات الواقع، وتحديات التدين الشبابي، ومتغيرات المحيط.

ويعتبر المغرب رائدا في مجال مكافحة التطرف، ونجح في احتواء هذه الظاهرة، على خلاف العديد من الدول العربية التي اقتصرت في مكافحتها له على المقاربة الأمنية.

وفي جامع “القرويين” التاريخي، بمدينة فاس، ترأس العاهل المغربي الملك محمد السادس، في 14 يونيو الماضي حفل تنصيب أعضاء المجلس الأعلى لـ”مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة”، التي تهدف إلى “صد التيارات الفكرية والعقدية المتطرفة” في أفريقيا.

ويضم المجلس الأعلى للمؤسسة، العشرات من علماء الدين الإسلامي من 31 دولة أفريقية، من بينها السنغال، وإثيوبيا، وأفريقيا الوسطى، وتشاد، والصومال، والسودان، وتوغو، والكاميرون، وكوت ديفوار، والنيجر، ودول أفريقية أخرى إضافة إلى علماء مغاربة.

وقال الإعلامي المغربي والباحث في الشأن الديني إدريس الكنبوري إن تأسيس بلاده للمؤسسة الجديدة، “يأتي في سياق ارتفاع مخاطر التطرّف والإرهاب بهذه القارة، وهو ما يتطلب مؤسسة تعنى بمحاربة هذه الظاهرة”.

وأضاف، أن أفريقيا “باتت وجهة مفضلة للمتطرفين، حيث يتخوف العديد من المراقبين أن تشكل ليبيا بديلًا لداعش مستقبلًا، عِوَضًا عن العراق وسوريا”.

وأبرز الكنبوري “أهمية المؤسسة، خصوصًا أن أفريقيا باتت مشتلًا للتطرف، والمشاكل الناتجة عن غياب خطاب ديني موحد”. ودعا إلى “ضرورة الاعتماد على استراتيجيات الدعوة، والاجتهاد، والفكر المجدد، وذلك في تنسيق مع مؤسسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من أجل الرفع من مستوى نتائج محاربة الإرهاب”.

واعتبر الكنبوري، أن هذه المؤسسة “ليست بديلا لمؤسسات أخرى، بل ستشتغل إلى جانبها”، موضحًا أن “هذه المؤسسة تعتمد خطابا وسطيا معتدلا، وهو ما سيكون له دور في محاربة التطرّف”.

وتابع قائلا “بإمكان هذه المؤسسة أن تطلق حوارًا بين السنة والشيعة مستقبلًا، أو بين السلفيين، من أجل إيجاد نقاط اشتراك، والحد من الخلافات”.

ودعا الكنبوري، المؤسسة أيضًا إلى “فتح حوار مع المعتقلين السابقين بخصوص قضايا الإرهاب، لمحاولة التعرف على طريقة تفكيرهم، وإقناعهم بالتخلي عن الأفكار المتطرفة، إضافة إلى توجيه رسائل للشباب لقطع الطريق عن الجماعات المتطرفة التي تعمل على استقطابهم”.

واعتبر عبدالحكيم أبو اللوز الباحث في الشأن الديني، أن المؤسسة تضاف إلى مؤسسات تحاول إبراز نموذج التدين المغربي القائم على الوسطية، مثل معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات (حكومي يعنى بتخريج الأئمة المغاربة والأجانب)”.

وأضاف قائلًا “المثير أن هذه المرة لم تشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب إلى ثوابت البلاد (المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني)، بل أشارت إلى التعاون ومحاربة الفكر المتطرف”.

واعتبر أبواللوز، أن “تأسيس المؤسسة يحتمل قراءتين، الأولى كونها خطوة دبلوماسية لتعزيز الأمن الروحي بالقارة، حيث أن التجارب السابقة لبلاده تبين أنها تبذل جهدا كبيرا في أعمال دبلوماسية دينية تتجه أحيانًا إلى الدول، مثل تكوين أئمة دول أخرى، وتارة تكون موجهة إلى الأشخاص”.

أما القراءة الثانية، فتقول بأن “المؤسسة الجديدة منافسة لمؤسسات أخرى مشابهة، كمنظمة المؤتمر الإسلامي”.

ويقر الباحثون على غرار رئيس مركز معارف للدراسات والأبحاث (غير حكومي) سلمان بو نعمان أن أمام “المؤسسة تحديات صعبة وفرصا كبيرة في الوقت نفسه”. وأضاف بو نعمان “التحديات مرتبطة بالتحول القائم في استراتيجية داعش للعمل خارج سوريا والعراق، فضلًا عن نشاط القاعدة ومجموعة بوكو حرام في المنطقة”.

التحدي الآخر، بحسب بونعمان، “يتمثل في الرهان على بناء خطاب إسلامي معتدل ذي مصداقية، قادر على دحض الأطروحات المتشددة، وتفنيد أسسها الشرعية والفكرية، التي تستثمر في أوضاع القارة وظروفها”.

وأشاد عبدالعزيز التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، باستحداث “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة” بالمغرب، معتبرا أنها “تكتسب أهمية بالغة، في مواجهة تنامي التهديدات الإرهابية للجماعات المتطرفة في المنطقة”.

2