العلماء يتقصون سر العمر المديد

يتقصى الكثير من العلماء حول العالم أسرار إطالة العمر، حتى يصبح الإنسان أكثر قدرة على التحكم في شيخوخته وما تحمله من أمراض ووهن. ويأمل الباحثون في التوصل، يوما، إلى طريقة تسمح لهم بالتدخل في تركيبة الخلايا ومنع الأضرار المسببة للهرم
الاثنين 2018/03/05
التقدم الطبي خلال القرن الماضي أطال عمر الإنسان

برلين - متوسط أعمار البشر في تزايد، ولم يعد من النادر رؤية مسنين تتجاوز أعمارهم 100 عام. وبدأ العلماء يتساءلون عما إذا كان من الممكن التحايل على الساعة البيولوجية في جسم الإنسان، وقتا ما.
فهل يصبح من الممكن هزيمة الأمراض التي تحدث عادة في الكبر مثل العته والشلل الرعاش والسرطان و أمراض القلب والأوعية الدموية؟
ركز باحثون في مدينة كولونيا الألمانية على هذه الأسئلة المهمة التي تشغل البشرية وحللوا أثناء ذلك أجزاء دقيقة من الخلية.
ودرس الباحثون في معهد ماكس بلانك لعلوم الشيخوخة ما يعرف بالمتقدرات (ميتوكوندريات) وهي بُنى في الخلية يبلغ طورها بضعة ميكرومترات.
يصف بعض العلماء هذه المتقدرات بأنها مفاعلات الطاقة في الخلايا البشرية وتلعب دورا محوريا في تقدم العمر، حسبما أوضح توماس لانجر المدير الجديد لمعهد ماكس بلانك.
قال لانجر إن مهمته في المعهد هي “أن نفهم تقدم العمر بشكل أفضل على مستوى حيوي وجزيئي ونعالج الأمراض ذات الصلة بالشيخوخة”.
وأوضح عالم الأحياء لانجر أنه من المعروف لدى الباحثين أن قدرة أداء المتقدرات تتراجع مع تقدم العمر مشيرا في ذلك لمرض الشلل الرعاش، وقال إن الباحثين يحاولون الآن معرفة كيفية منع حدوث أضرار في هذه المكونات من الخلية مشيرا إلى أن ذلك ربما يساهم في إطالة عمر الإنسان.
وأوضح الخبير الألماني أن “التجارب التي أجريت على النماذج الحية أثبتت أنه من الممكن إطالة العمر بشكل واضح من خلال التدخل في عمليات بعينها داخل الخلية.. أي أن النماذج الحية مثل الدودة الخيطية وذبابة الفاكهة والفأر تعيش مدة أطول في ظل ظروف بعينها خضعت للاختبار”.
وقد أدى التقدم الطبي الذي حدث في المئة سنة الماضية لإطالة عمر الإنسان بشكل هائل حيث أصبح نحو 4.9 ملايين إنسان في ألمانيا على سبيل المثال في سن 80 عاما على الأقل وفقا لمكتب الإحصاء الاتحادي الذي توقع أن يرتفع هذا العدد إلى عشرة ملايين شخص على الأقل بحلول عام 2050 .

كريستيانه فوبين، الخبيرة في أخلاقيات الطب، تقول إن جودة الحياة تصبح اعتبارا من سن معينة أهم من طول العمر

كما أن هناك زيادة في أعداد من هم في سن أكبر من ذلك بكثير حيث بلغ عدد الأشخاص الذين في سن 100 سنة على الأقل في ألمانيا نحو 14400 عام 2011 . وتوقع مكتب الإحصاء الاتحادي أن يرتفع عدد من هم فوق سن 100 سنة إلى 26 ألف رجل وامرأة بحلول عام 2025 . ويقول لانجر “هناك الكثير من الدراسات الواعدة التي يمكن للباحثين من خلالها إطالة أعمار الفئران ولكن ذلك يحدث فقط خلال التجارب”.
وأشار لانجر إلى أن هذا المجال البحثي ينطوي على “الكثير من الفرص” وقال إنه “من غير الصحيح القول في الوقت الحالي أننا نستطيع تطبيق شيء من ذلك على الإنسان في المستقبل القريب”.
ورفض الخبير الألماني الإدلاء بدلوه في التكهنات بشأن أقصى عمر يمكن أن يعيشه الإنسان، غير أنه قال “لا أظن أننا وصلنا لنقطة نهائية في ما يتعلق بالفترة التي يمكن أن يعيشها الإنسان”. وفي هذا السياق قالت كريستيانِه فوبين، الخبيرة في أخلاقيات الطب “إن جودة الحياة تصبح اعتبارا من سن معينة أهم من طول العمر”.
وأكدت فوبين التي ترأس المجلس الأوروبي لأخلاقيات الطب “إن الطب والعلوم بشكل عام يهدفان لتجنب المعاناة الشديدة وإن هدفهما بالدرجة الأولى ليس إطالة عمر الإنسان”.
وأضافت “في ظل الطبيعة البشرية التي تسمح بالاستقلالية والقدرة على الإبداع، ولكنها معرضة في الوقت ذاته للإصابة من الخارج ويعتريها القصور الذي يجعلها مضطرة للاعتماد على الآخرين، فإني لا أؤمن بإمكانية الخلود على هذه الأرض”.
 وفي الوقت ذاته أوضحت فوبين التي ترأس قسم الأخلاق الطبية في جامعة كولونيا أن “علينا أن نفكر في شروط تعايشنا عندما يكبر الناس ويمتلكون القدرة على التقدم في السن.. فالتقسيم الحالي لمسارات الحياة سخيف.. حيث إن العقود الأولى من الحياة هي سباق عدو وحيد نلهث خلاله على مدى عقود من مشوارنا الوظيفي لنصل في النهاية إلى مضمار بعيد عن السباق الأصلي..”
وتجدر الإشارة إلى أن باحثين من جامعة هارفارد تمكنوا، سابقا، من الكشف عن الدليل الجزيئي الذي يُفسر سبب جدوى تقليل الإنسان من تناول كميات عالية من طاقة السعرات الحرارية للطعام، في إطالة العمر. وأفادوا بأن ثمة مركبين كيميائيين، في أحد الجُسيمات الصغيرة الموجودة داخل الخلية، يقومان بمهمة حماية الخلايا من الهرم ومن ثم الموت. وتعرّف الباحثون على الجينات الخاصة بإنتاج هذين المركبين. وهو ما دفعهم إلى القول بأن هناك مجالا لعقارين محتملي الفائدة في إبطاء وتيرة عمليات شيخوخة الخلايا وموتها.
وكان باحثون من مؤسسة ماساشوستس للتقنية قد عرضوا نتائج الاستفادة من جين آخر، معرف علميا أن له دورا في زيادة طول العمر في محاولة تخفيف نشوء الأمراض الناجمة عن ارتفاع الكوليسترول. وقالوا بأن تنشيط هذا الجين عبر تناول أدوية تعمل على ذلك يُقلل من فرص نشوء أمراض شرايين القلب ومرض الزهايمر. 
وهو ما يُمكن أن يُضاف كوسيلة علاجية إلى الوسائل المستخدمة اليوم من الحمية الغذائية والأدوية المتوفرة. كما وجدت دراسة، نشرت في المجلة العلمية “بلوس جينيتكس” أن العيش لمدة طويلة من الزمن، أي 100 عام وأكثر، أمر يعتمد على الجينات وهو متوارث في العائلات.
وأشارت الدراسة إلى أن وجود أقارب وصلوا إلى هذا العمر الطويل (الذين يعرفون بالمعمرين)، من شأنه أن ينقل هذه الجينات لباقي أفراد الأسرة، حيث يعتقد أن هذا الجين من شأنه أن يرفع خطر إصابة المعمرين بالزهايمر بالتالي انخفاض خطر اصابتهم بالأمراض الأخرى.
وأوضح الباحثون القائمون على الدراسة أن المعمرين عادة ما يتمتعون بصحة جيدة، كما تتأخر إصابتهم بالأمراض المزمنة المتربطة بالعمر مثل السرطان وأمراض القلب والسكري بشكل كبير، حتى أن شدة المرض تكون أقل.

17