العلماء يتوصلون إلى طريقة تعيد الحياة إلى الأجزاء الميتة من القلب

توصل العلماء إلى استحداث تقنية جديدة تمكنهم من إنقاذ حياة من تعرضوا للنوبات القلبية أو ممن يشكون من قصور أو تلف في خلايا القلب. تسمى التقنية الجديدة برقعات القلب وهي خلايا بديلة مبرمجة على النمو والعمل مثل الأنسجة الطبيعية لعضلة القلب.
الاثنين 2018/03/19
التقنية الجديدة حل جذري لنقص عدد المتبرعين بالقلب

لندن – بعد التعرض للسكتات القلبية، تتعرض أجزء من القلب إلى الموت، الأمر الذي يشكل خطرا حقيقيا على حياة المرضى. يوضح تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية، أن السرعة في التشخيص والعلاج تزيد من فرص النجاة، وتقلل احتمالات تلف عضلة القلب. ويعتمد القلب على الأكسجين الذي يحمله الدم المتدفق من الشرايين التاجية، فإذا انسدت الشرايين وتوقف تدفق الدم إلى القلب، تموت خلايا عضلة القلب في غضون دقائق معدودة.
وفي الكثير من الحالات، إذا لم يتدخل الجراحون لإزالة الانسداد خلال ساعة، تموت أكثر من مليار خلية من الخلايا العضلية القلبية.
وكثيرا ما يعاني الناجون من النوبة القلبية من فشل القلب الاحتقاني أو قصور القلب المزمن. ويقدر عدد المصابين بقصور القلب في المملكة المتحدة بنحو 450 ألف شخص. وبعد خمس سنوات من الإصابة بالنوبة القلبية، يفارق 50 بالمئة منهم الحياة.
ونقلا عن بي بي سي، يقول سانجاي سينها، طبيب القلب بمستشفى أدينبروك بكامبريدج “ستضعف قلوب مرضى قصور القلب بعد حين، ولن تقوى على ضخ الكميات الكافية من الدم لتلبية احتياجات الجسم، ثم تتوقف كليا”.
لكن في غضون خمس سنوات، قد يقدم لنا الطب التجديدي والخلايا الجذعية بديلا ثوريا جديدا، يتمثل في استنبات أنسجة عضلية قلبية حية نابضة لتحل محل الأنسجة العضلية التالفة من القلب، وهي تسمى بـ”رقعات القلب”. إذ أن القلب، على عكس بعض أعضاء الجسم الأخرى، مثل الجلد والكبد، يلتئم ببطء شديد. وتتكاثر الخلايا العضلية للقلب بمعدل 0.5 بالمئة فقط سنويا، وهذا المعدل لا يكفي لإصلاح أي ضرر كبير يصيب القلب.
وتنمو في المقابل طبقات سميكة من النسيج الندبي القاسي، لتحل محل الخلايا الميتة، وهذا يؤدي إلى توقف أجزاء من القلب عن العمل.
ولا يزال العلاج الطبي الوحيد لقصور القلب منحصرا في عملية زرع القلب. ولكن في ظل نقص أعداد المتبرعين بالأعضاء، لن يتعدى عدد عمليات زرع القلب في المملكة المتحدة مثلا 200 عملية سنويا.
ويقول سينها “أزعم أننا لن نحصل أبدا على الأعداد التي نحتاجها من المتبرعين لأن أعداد الشباب الذين كانت قلوبهم سليمة وقت الوفاة أقل من أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى هذه العمليات. لا يوجد إلا عدد قليل للغاية من قتلى حوادث الطرق أو من يموتون بسبب إصابات الدماغ، وهم من تصلح قلوبهم لعمليات زرع القلب”.

في حال انسدت الشرايين وأدى ذلك إلى توقف تدفق الدم إلى القلب، تموت خلايا عضلة القلب في غضون دقائق معدودة

ولكن الخلايا الجذعية ربما تقدم البديل العلاجي المناسب. وقد حاول العلماء في تجارب سريرية تجديد الخلايا العضلية القلبية التالفة من خلال الحصول على خلايا جذعية، قد تتطور إلى أنواع عديدة مختلفة من الخلايا، من دم المريض أو نخاعه العظمي ومن ثمة حقنها في القلب مباشرة.
وبينما نجحت هذه الطرق في تجديد الأوعية الدموية التالفة، وبالتالي حسنت تدفق الدم إلى القلب، فإن تأثيرها كان محدودا على المشكلة الرئيسية، وهي تجديد خلايا عضلة القلب التالفة. ويرجع العلماء ذلك إلى أن 95 بالمئة من الخلايا الجذعية المحقونة لا تلتصق بالقلب وتضيع في مجرى الدم.
وفي معهد الخلايا الجذعية بجامعة كامبريدج، يعكف سينها مع فريق من علماء أحياء الخلايا الجذعية على تطوير فكرة مختلفة إلى حد ما، وهي رقعات للقلب.
وتُستنبت هذه الأنسجة العضلية القلبية الصغيرة، التي يقل حجم الواحدة منها عن 2.5 سنتيمتر مربع ولا يتجاوز سمكها نصف سنتيمتر، في أطباق صغيرة في المختبر، وتنمو على مدار شهر.
تؤخذ خلايا الدم من الجسم وتعاد برمجتها إلى نوع معين من الخلايا الجذعية قد يتحول إلى أي خلية في الجسم البشري، وفي هذه الحالة يتحول إلى الخلايا العضلية القلبية وخلايا الأوعية الدموية، وما يعرف بـ”النِخاب”، وهو الغشاء الخارجي المحيط بالقلب.
ثم تُنقل هذه العناقيد من خلايا القلب إلى بنى خاصة أو “دعائم” للمساعدة في تكوين الأنسجة، تشبه الخلايا المحيطة بالنسيج داخل الجسم، وتنظم هذه البنى الداعمة للخلايا وتربطها ببعضها لتشكل قطعة من الأنسجة شبيهة بأنسجة القلب الحقيقية.
يقول سينها “نرى أن فرص هذه الرقعات في النمو داخل قلب المريض كنسيج عضلي قلبي طبيعي ستكون أعلى من فرص الطرق السابقة، لأننا نعمل على تطوير أنسجة تقوم بجميع وظائف الأنسجة الطبيعية، وتنبض وتتقلص، من خلال دمج هذه الأنواع المختلفة من الخلايا التي تتفاعل مع بعضها”.
ويضيف “تمثل خلايا النِخاب أهمية كبيرة في تنسيق عملية تطوير عضلة القلب، إذ كشفت الأبحاث عن وجود الكثير من الإشارات المتبادلة بين النِخاب والقلب أثناء مرحلة تكوينه لدى الأجنة”.
ويستعد سينها في الوقت الحالي لتجربة تلك الرقعات على الفئران أولا ثم الخنازير. وإذا سار كل شيء على ما يرام، سيجري أول تجربة على البشر في غضون خمسة أعوام.
وبالتزامن مع تجارب سينها وفريقه، يحاول أيضا فريق من العلماء من جامعة ستانفورد وجامعة ديوك وجامعة ويسكونسن بالولايات المتحدة تطوير رقعات مماثلة للقلب.
ويأمل هؤلاء العلماء في إجراء جراحة مستقبلا تستخدم فيها الأشعة فوق الصوتية والتصوير بالرنين المغناطيسي لتحديد موقع الندوب في القلب، ثم طباعة شريحة من الخلايا بنفس شكل وحجم الأنسجة التالفة، باستخدام الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد. ثم يفتح الجراحون القفص الصدري ويخيطون الرقعة على القلب مباشرة بحيث ترتبط بالأوردة والشرايين المحيطة بها في القلب.
ويقول تيم كامب، أستاذ علم الأحياء التجديدي بجامعة ويسكونسن، والمشارك مع فريق العلماء الذي يعمل على تطوير هذه الرقعة، إن “المرضى الذين يعانون من قصور شديد في القلب قد يحتاجون إلى أكثر من رقعة في أماكن متعددة من القلب، لأن القلب بأكمله يتضخم عندما يحاول التأقلم مع الإصابة. فإذا كان القلب في حجم الكرة الصغيرة مثل كرة الرغبي سيصبح في حجم البالون أو كرة السلة”.

17