العلمانية الراديكالية

الثلاثاء 2015/02/17

لا تزال عملية “شارلي إيبدو” وتداعياتها تشغل العرب. وإذا كان الأصوليون قد نعتوها بالعملية الجهادية، مثلما نعتوا منفذيها بأبطال ثأروا لنبي الإسلام، فإن العَلمانيين استنكروها بشدة، لكونها اعتداء على حرية الفكر والتعبير في المقام الأول. وبدا أنه صراع بين راديكاليتين: راديكالية علمانية تضع حرية التعبير فوق كل القيم، وراديكالية أصولية لا تكتفي بالتشهير بازدراء الأديان والتطاول على المقدسات بل تجنح إلى العنف دفاعا عن معتقداتها.

وإذا كانت الثانية لا تحتاج إلى تفصيل القول، ونحن نشهد اليوم آثارها المروعة، فإن الأولى أحرى بالنظر، لتوسلها هي أيضا بخطاب إقصائي، يدين حتى دعوة المسلمين المعتدلين إلى احترام مشاعرهم.

شاهدنا ذلك مثلا عقب تصريح لوزير الشؤون الدينية في تونس دعا فيه الصحافيين إلى تجنب جرح مشاعر المؤمنين، فقد تصدّى له بقوة بعض العلمانيين والعلمانيات، رغم إدانته تلك العملية الإجرامية، وعدّوا دعوته مصادرة للحريات وحتى تبريرا لجرائم المجرمين، وكأن شتم الإسلام ونبيّه حق من حقوق الإنسان، لا يجوز للمسلم أن يعترض عليه ولو بطرف اللسان. وهذا في رأينا منتهى التناقض، فأصحاب هذا الموقف إنما يصادرون هم أيضا حرية التعبير التي يزعمون الدفاع عنها.

ومردّ ذلك أن العلمانية لا تخلو بدورها من راديكالية. وحسبنا أن نذكّر بأنها كانت منذ ظهورها شديدة الوقع على الكاثوليكيين، فباسم العَلمانية قتل خلال الثورة الفرنسية أكثر من ثلاثة آلاف راهب، وهدّمت عشرات المعابد.

وفي عهد نابليون، لم يكن يسمح للأساقفة بمغادرة كنائسهم إلا بإذن من المحافظ. واستمرّت مصادرة حريات رجال الدين حتى في عهد الجمهورية الثالثة، حيث أُغلقت آلاف المدارس الكاثوليكية، وحُظر على الرهبان ارتداء الثوب الكهنوتي في الفضاء العام. وقانون 1905، الذي يعتبر مرجعا للعَلمانيين، يقضي بالفصل بين الدين والدولة، ولكنه يقضي أيضا بحق كل فرد في إشهار ديانته -أو إلحاده- بالطريقة التي تروقه، ما لم يخالف القانون.

تلك الحريات تقلصت بظهور الإسلام، وسُنّت قوانين قضمت كثيرا مما كان مسموحا به للديانات الأخرى. والآن تثار مسألة ازدراء الأديان كحقّ تكفله العلمانية، فيما لا يحق لمن شُتم دينُه الإعراب عن استيائه، وإلا عُدّ مناهضا للديمقراطية وحرية التعبير، وربّما مناصرا للإرهاب.

يفسّر بعضهم هذا الموقف بأن أيّ تنازل قد يغري المتشددين بالمزيد، ليضيّقوا كعادتهم مجال الحريات، وهذا وارد، ولكن لا يمكن أن نجعله ذريعة لتبرير شتم الرسل، ووصم من يرجو فقط احترام مشاعره بكونه عدوا للحرية والديمقراطية، باسم العلمانية مرّة أخرى.


كاتب من تونس مقيم في باريس

15