العلمانية تعادل "العصر الجاهلي" في الفكر الإخواني

القوانين الحداثية في تونس هدف يستعصي على مخططات الجهادية، وخسارة الإسلام الأصولي لمعركة قانون الأحوال الشخصية تعني خسارته لأول قلعة قانونية حاول استردادها.
الاثنين 2018/04/30
الشعب يطالب باستعادة علمانية الدولة

ثمة خديعة أخرى راجت كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية، تزعم بأن الأنظمة القائمة في أوطاننا هي أنظمة فاسدة ومستبدة لا لسبب آخر سوى لأنها أنظمة علمانية ولا تحتكم إلى “شرع الله”.

وانطلقت الخيوط الأولى لهذه الخديعة في بادئ الأمر من بعض الأفكار المستوحاة من عدد من المفكرين المعادين للعلمانية، من بينهم الكاتب الجزائري مالك بن نبي، على سبيل المثال، والذي لم يتردد في تحميل العلمانية مسؤولية الرتق الأخلاقي الذي وقع بين العلم والضمير، وجاء ذلك في كتابه “بين الرشاد والتيه”.

وفي المقابل تجاهل كل الجهد الذي بذله العقل الأخلاقي المعاصر في إعادة بناء نفسه على أسس استدلالية عقلية بدل الاكتفاء بالمسلمات الغيبية وغير القابلة للنفي أو الإثبات، وهو الجهد الذي شهده النصف الثاني من القرن العشرين (حقوق الإنسان، السلوك المدني، السلوك البيئي، أخلاقيات البيولوجيا، مجالس الأخلاق كهيئات دستورية، إلخ).

 وتجاهل الرجل أن سؤال الأخلاق كان ولا يزال سؤالا علمانيا بامتياز، منذ لحظة التأسيس الأخلاقي للحداثة مع كل من سبينوزا وكانط. على أن الإسلام السياسي استغل مطارحات مالك بن نبي مؤقتا، مثلما استغل ولا يزال يستغل بصفة مؤقتة مطارحات بعض المفكرين المعروفين بمعاداة العلمانية دون أن يحتويهم بالضرورة داخل منظومته المنغلقة، لأن المعول عليه في آخر الحساب هو الأقطاب، وعلى رأس الأقطاب سيد قطب بالذات، والذي انتهى في تفسيره للقرآن إلى ربط العلمانية مباشرة بالجاهلية، وجاء ذلك في كتابه “في ظلال القرآن”، ما يعني أن على الشعوب المسلمة أن تنظر إلى العلمانية نظرتها إلى العصر الجاهلي.. ولنتصور النتائج.

على أن الربط بين العلمانية والفساد السياسي هو الوهم الذي رسّخه الشيخ يوسف القرضاوي، لا سيما في غمرة حماسته المفرطة لما كان يسمى بـ”الربيع العربي”. عشيّة سقوط نظام زين العابدين بن علي بادر شيخ الجزيرة إلى تحميل العلمانية مسؤولية قمع الحريات في عهد النظام البائد، واصفا إياها بالطاغوت.

 

خديعة يروج لها الإسلاميون، وهي أن الذي جعل من أنظمة كثيرة في العالمين العربي والإسلامي، مستبدة وفاسدة هو تبنيها للعلمانية التي قرنوها بالعصر الجاهلي في حين أن العكس هو الصحيح كما بينت تجارب كثيرة أهمها صمود قانون الأحوال الشخصية المتطور في تونس أمام طموح وسعي الإسلاميين لإسقاطه، لا بل تعزز أكثر بفضل المجتمع المدني

 والمستغرب أن الرجل ذاته كان قبل ذلك بعظمة لسانه يعظم نفس النظام البائد. يقال إن الذي يصرخ عادة ما يريد أن يخفي شيئا من أشيائه. وبالفعل فقد شبع القرضاوي صراخا إبان الثورات المغدورة، وقد كان يقصد بالذات أن يمسح من الذاكرة مواقفه السابقة. فأثناء حكم زين العابدين بن علي، وقبل اندلاع الثورة بسنوات قليلة كان التنظيم العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه القرضاوي قد اختار مدينة القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية، بل للشيخ القرضاوي شهادات مسجلة يمجد فيها زين العابدين بن علي تمجيداً كثيرا.

انطلاقاً من خديعة أن الأنظمة الموجودة في الشرق الأوسط الكبير علمانية في المظهر والجوهر معا، حاول البعض الترويج للثورات على أنظمة حسني مبارك، ومعمر القذافي، وعلي عبدالله صالح، وبشار الأسد، باعتبارها ثورات شعوب مسلمة على أنظمة علمانية، لا تحكم بحكم الإسلام، أنظمة فاسدة لأنها لا تحرص على حدود الله، أنظمة مستبدة لأنها لا تمثل عقيدة أغلبية الناس، أنظمة عميلة للغرب لأنها تعلي من شأن بعض المواثيق الدولية، وما إلى ذلك من التوصيفات.

إنّ التأويل الديني للثورات لهو التأويل الذي أطلقه بادئ الأمر بعض القادة الإيرانيين في قراءتهم لما كان يسمى بـ”الربيع العربي”، حين توهموا أنّ الحراك ذاته سيقع ضمن خط الثورة الإيرانية. وكان ذلك قبل أن يطال الحريق حليف إيران في المنطقة، “سوريا الأسد”، حيث ستنقلب قناة المنار من داعم للثورات إلى اعتبارها مجرد مؤامرة ضد الأوطان والمقاومة وفلسطين، وعلى الأرجح ضد الإسلام أيضا.

إن إصرار أنصار الإسلام السياسي على وصف الأنظمة العربية بالعلمانية، مع ربط العلمانية بالفساد والاستبداد، لا يجانب الصواب فحسب، إنما يتجنى على المفاهيم، ويحتقر عقل المتلقي، ويمثل نوعا من الضحك على الذقون.

والحق يقال، سيكون من باب التغابي أن نرى العلمانية في أنظمة مبارك، والقذافي، والأسد، وغيرهم، وهي أنظمة ظلت تتمسك بقوانين جنائية تعاقب على “الردة”، وتجرّم الإفطار العلني في رمضان. سيكون من باب الاستغباء أن نصف القذافي بالحاكم العلماني، وهو الذي كان يحلم بنشر الإسلام في أفريقيا، وكانت القبائل الأفريقية تعلن إسلامها على يديه، وكان يؤمّها في بعض الصلوات بالساعات.

 سيكون من باب التجاهل أن نعدّ الأسد حاكما علمانياً وهو الذي ساند حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين، ودعم حزب الله، وأكثر من بناء المساجد والمراكز الدينية في بلده على حساب دور السينما، والمسرح، والمراكز الثقافية، ثم فتح البلد، في الأخير، لدخول ملالي إيران، وذلك بعد أن أعاد بناء نظام الأمن والعسكر على الطائفية الدينية الضيقة التي ينتمي إليها. وكذلك بالنظر إلى المنطقة بأسرها سيكون من باب الجهل المريب أن نرى العلمانية في مناهج دراسية تعلي من شأن شريعة الفقهاء، وسيكون من باب الافتراء على النفس أن نرى العلمانية في دساتير تجعل الشريعة مصدراً للتشريع.

ضمن الأوهام أن الهامش الحداثي المتوفر في العديد من دول العالم الإسلامي، لا سيما في الدول ذات الهامش الحداثي الواسع مثل تركيا وتونس، لا يعبر عن الإرادة الشعبية، ولذلك يحتاج إلى طغمة عسكرية أو أمنية لحمايته. وقد ساهم الشيخ القرضاوي في إشاعة هذا الوهم ضمن أشرطة مسجلة قد تُقرأ من عناوينها.

هناك سلسلة سماها بـ“حتمية الحل الإسلامي”، وعنون الجزء الأول منها بـ“الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا؟” وسمى الجزء الثالث منها بـ“بيّنات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين”، وأما الجزء الرابع فقد سماه بـ“أعداء الحل الإسلامي”، ووصف خصومه بـ“عبيد الفكر الغربي”، ومن أجل ترسيخ الخديعة في نفوس المسلمين ألف كتابين أساسيين: “الإسلام والعلمانية وجها لوجه”، و“التطرف العلماني ومواجهة الإسلام: نموذج تركيا وتونس”.

من خلال تلك الجهود عمل القرضاوي على ترسيخ فكرة أن العلمانية في تونس وتركيا لا تعدو أن تكون سوى هامش تغريبي وتسلطي؛ إنها هامش تغريبي طالما نشأت في الغرب الاستعماري أو الصليبي، وهي هامش استبدادي طالما تحميها الدكتاتوريات الوطنية أو العسكرية.

من ثمة كان الاعتقاد بأن قانون الأحوال الشخصية في تونس على سبيل المثال، والذي يُعدّ بمثابة قانون الأسرة الأكثر حداثة في العالم الإسلامي، قد فرضه بالقوة دكتاتور “عميل للغرب”، وهو لذلك السبب فاقد للشعبية وفاقد للشرعية، ولا يعبر عن إرادة الشعب التونسي “المسلم”، كما لا يعبر عن الهوية الدينية للشعب التونسي، وبلا شك فإنه سيسقط من تلقاء نفسه إذا ما سقط التسلط “التحديثي- التغريبي” في يوم من الأيام. وهكذا كانت تُنسج إحدى الخدائع الشهيرة.

فجأة، جاء اليوم الذي سقط فيه ذلك الاستبداد، “الطاغوت”، فانتظر الإسلام السياسي سقوط قانون الأحوال الشخصية “البورقيبي” بفعل الإرادة الشعبية كما توقع، بل عمل على إسقاطه جاهداً ومستعيناً بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة، بل اعتبر إسقاطه أم المعارك، طالما أنها معركة الدليل الأكبر على أن “الشعب التونسي مسلم”، وي

في الحقيقة لم يكن إسقاط قانون الأحوال الشخصية التونسي رهان الإسلام السياسي التونسي وحده، بل كان رهان الإسلام السياسي في العالم برمته، وكان مدعوما من جهات إقليمية ودولية لها حساباتها الخاصة. من هنا نفهم زخم الشيوخ المشارقة الذين حجوا إلى الديار التونسية إبان فترة حكم الترويكا، آملين في إعداد العدّة لعودة شريعة العصر الوسيط، شريعة الفقهاء، والتي ستكون لها الغلبة والتمكين بعد زوال الحكام “المغرمين بالحضارة الغربية”، مثلما زال شاه إيران من قبلهم.. هكذا كانت أحلامهم، أو بالأحرى كوابيسهم، غير أن سعيهم قد خاب في الأخير.

الذي حدث هو أن المجتمع المدني بقيادة المرأة التونسية المعتزة بكرامتها الإنسانية، لم يتمكن فقط من تحصين المكتسبات الحداثية، لا سيما بالنظر إلى المساواة ومدونة الأسرة والحريات الشخصية، وإنما بدأ يحاول إحراز مكتسبات جديدة، من قبيل المساواة في الإرث، والتي جرى تحقيقها هذه المرة في غياب الدكتاتور الذي كان يُستدلّ بوجوده على أن الهامش الحداثي ليس سوى تسلط علماني على رقاب الشعوب المسلمة.

إن خسارة الإسلام الأصولي لمعركة قانون الأحوال الشخصية في تونس لتعني خسارته لأول قلعة قانونية حاول استردادها، وقد استهان بالمهمة، وظنها ستكون نقطة البداية الأكثر سهولة قبل الوصول إلى “استرداد” سائر القوانين الأخرى.

13