العلمانية ضرورة للخروج من مأزق خلط الدين بالسياسة

تحولات إيجابية تلوح في الأفق تبشر بتحرر العالم العربي من إشكالية الاعتماد على الخطاب الديني العاطفي، والتخلص من المزج بين الدين والسياسة.
الاثنين 2019/07/22
العلمانية ضمانة العيش المشترك

هل حان الوقت لإغلاق هذا الملف المزمن؟ وأعني به الخلط بين الدين والسياسة في دول منطقتنا، التي لا تزال تعاني الكثير نتيجة لعدم حسم هذه الإشكالية الخطيرة. فعندما يستمر الإبقاء على هذا الملف عالقاً، يظل الباب مفتوحاً لتصدير الخرافات إلى المجال السياسي، بما في ذلك من تأثير سلبي على المجتمعات، وتأخير لبناء الدولة الحديثة، التي يفترض أنها بناء مؤسسي، يؤدي عمله بعيدا عن إرضاء ديانة أو طائفة معينة.

فالدولة ممثلة لكافة المواطنين مهما اختلفت دياناتهم، ومن مصلحة الجميع أن تكون الدولة راعية لهم، من دون أن تكون منحازة لأي طرف، أو في حالة تبني لتوجه ديني محدد سلفاً. وحتى في المجتمعات الأحادية التي تخلو من تعدد الأديان، عندما يتم السماح لرجال الدين بالهيمنة على الخطاب السياسي والتأثير فيه، يخسر المجتمع إمكانيات التحديث، ويذهب باتجاه التطرف والانغلاق.

ولعل التجارب الماضية خلال العقود السابقة تثبت لنا أن غياب العلمانية أدى إلى ربط أجيال متتالية بمنظومة فكرية متشددة. كما تم تجنيد أجهزة إعلام ومنابر دينية لخدمة الفكر المتطرف. بينما لو تم إنفاق الأموال على العناية والاهتمام بالتعليم والبحث العلمي، لكان ذلك أجدى بكثير من إعادة إنتاج تثقيف ديني يختطف عقول الشباب، ويستنسخ نمطاً متشابها من التفكير، ولا يعطي الأولوية للإنتاج والتنمية، بقدر ما ينشغل بتوسيع وبسط هيمنة رجال الدين وسلطتهم المعنوية التي غزت كل بيت، سواء عبر قنوات التلفزيون الفضائية، أو عبر المطبوعات الصفراء التي تروج لها معارض الكتاب الرسمية في مختلف الدول العربية. والعجيب أن تلك المطبوعات تكون ضمن لائحة الكتب الأعلى مبيعاً.

في إطار ملاحظة التحولات البطيئة نسبياً، في اتجاه فك الاشتباك بين الديني والسياسي، يمكن القول إن هناك خطوات عقلانية متزايدة، أصبحت مدعومة بوعي ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا أحد ينكر أنها تسهم، بالتدريج، في ترسيخ نمط تفكير متحرر من قيود الفترات الماضية. ولا شك أن التوجهات الرسمية تؤثر في إحداث تغييرات جذرية، لأن المجتمعات مهما احتوت على نخبة تنويرية، تبقى في حاجة إلى تشريعات قانونية معتمدة، وإلى إرادة سياسية تستخدم سلطة الدولة الاعتبارية لمصلحة المجتمع بكل أطيافه. ولو تأملنا قليلاً لأدركنا أن العلمانية تصب في مصلحة كل الأطراف والتوجهات، لأنها تعمل على تحييد الدولة وأجهزتها وإمكانياتها المالية، لتصبح معنية بخدمة كافة المواطنين، بعيداً عن انتماءاتهم وتوجهاتهم العقائدية.

وفيما شهدت العقود الماضية انجرار السلطات الرسمية في أكثر من بلد إلى توظيف الدين في السياسة لأهداف معروفة لا مجال هنا لسردها، يبدو أن تحولاً عكسياً يلوح في الأفق، ويبشر بالولوج إلى مرحلة جديدة، في الطريق إلى أن تجعل الدولة في عالمنا العربي تتحرر من إشكالية الاعتماد على الخطاب الديني العاطفي، وتتخلص من المزج بين الدين والسياسة.

معركة التنوير كانت تتمحور منذ بداياتها الأولى حول انتهاج العلمانية، وتفكيك المقولات التي يروج لها تيار أسلمة السياسة
 

أحدث المؤشرات التي تمضي في هذا الاتجاه المستنير، تتمثل في القرار الذي أصدره العاهل المغربي، الملك محمد السادس، وتناقلته وسائل الإعلام مؤخراً، ويفيد بمنع الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين في المهام الدينية من “ممارسة أي نشاط سياسي”، ومنع “اتخاذ أي موقف سياسي أو نقابي”، إضافة إلى المنع من “القيام بكل ما يمكنه وقف أو عرقلة أداء الشعائر الدينية”.

القرار الذي وقّعه ملك المغرب وصدر في مرسوم ملكي جريء وشجاع، تضمن كذلك منع “الإخلال بالطمأنينة والسكينة والتسامح والإخاء الواجب في الأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي”، وأقر المرسوم كذلك منع رجال الدين من “مزاولة أي نشاط” مدر للمال في القطاع الحكومي أو الخاص، مع استثناء “الأعمال العلمية والفكرية والإبداعية” التي لا “تتعارض مع طبيعة” مهام رجل الدين.

وأرجعت الأنباء هذا التشريع الجديد والإيجابي إلى أنه يتصل بإصلاحات يقوم بها المغرب في الحقل الديني. ومن المهم كذلك الإشارة إلى أن القانون في المغرب يمنع استخدام المساجد في حملات الدعاية الانتخابية. وهذه مبادرة تشريعية تستحق الالتفات وأن يتم تبنيها على نطاق عربي واسع.

من تحصيل الحاصل القول إن معركة التنوير في العالم العربي، كانت تتمحور في جذورها ومنذ بداياتها الأولى حول انتهاج خيار العلمانية، وتفكيك المقولات المخادعة التي يروج لها تيار أسلمة السياسة. ورغم أن الفصل بين ثنائية الديني والسياسي أصبح من البديهيات التي حسمتها الحضارة الغربية، إلا أننا لا نزال نفترض أن من يتطرق إلى هذا الملف يتحلى بشجاعة وإقدام، بالنظر إلى صلابة وصعوبة تفكيك الاعتماد على الخطاب الديني، في ظل غياب أي عملية إصلاح أو إعادة صياغة لأولويات المجتمعات واحتياجاتها إلى نمط تعليم مختلف، لأن التعليم الأهلي والحكومي والأنماط غير الرسمية من التعليم تؤدي مجتمعة إلى خلق فوضى، وإلى إعادة إنتاج أجيال تعاني من فقدان الهوية وفقدان التواجد في المستقبل برؤية جديدة ومواكبة للتحديات.

وبالنسبة لقرار منع رجال الدين من الاشتغال بالسياسة، فهذا بدوره قرار صائب. ويجب توضيح ماذا نقصد بفصل الدين عن السياسة وما هي العلمانية التي يساء فهمها.

والتوضيح هنا لمن يتاجرون بالدين ولمن يصدقون كل أكاذيب المتاجرين. فمن حيث المبدأ لا أحد يمنع الناس من التعبد، سواء في المسجد أو في الكنيسة أو في المعبد، ومهما كان دين الشخص، يمكنه ممارسة شعائره، وسيجد من يحميه ويدافع عن حقه في ذلك. لكن على رجال الدين ترك السياسة لرجالها. ولكل مجال رجاله الذين يتخصصون في عملهم ويتقنونه.

ولعل أبرز مثال على السلبيات الكارثية الناتجة عن غياب أو تغييب العلمانية، وكيف تؤدي إلى عودة التخلف والانتقال إلى عصور الظلام من جديد، نتأمل حالة إيران التي كانت قبل ثورة الخميني دولة علمانية منفتحة، وكان شعبها ولا يزال يتطلع إلى حياة عصرية، تعتمد على التعليم الحديث وتولي العناية بالفنون والآداب، فما الذي حدث؟ لقد أعاد حكم الملالي في إيران إلى عصور مظلمة. ولو أنّ الشعب الإيراني يمتلك حريته ويتحرر من الرعب ومن القبضة الحديدية، من المؤكد أنه لن يبقي على سلطة رجال الدين يوماً واحداً، وسوف يعيدهم إلى جحورهم، ويستبدل أصحاب العمائم بعقول سياسية جديدة، لا تتبنى الخرافات والشعارات المعادية والمتطرفة والمراهقات السياسية، كما يحدث هذه الأيام من عبث وتخبط، يدل على أن القرار السياسي في طهران ليس بيد رجال دولة، بل بيد رجال دين يقودون بلادهم إلى الهاوية وإلى الصدام مع المجتمع الدولي بغباء يعتبرونه خيارا إلهيا.

وأخيراً، نخلص إلى القول إن الفرق يبقى واضحاً بين القلب والعقل. فإذا كان العقل هو من يدير الدولة، فإن القلب يكون موضع العاطفة والروحانيات والانحياز للخيارات غير المنطقية. لذلك تترك قيادة الدولة للعقل وللمنطق وليس للعاطفة.

13