العلمانية طريق العرب لتأسيس واقع اجتماعي سلمي خال من الطائفية

نظم مركز نيسان للتنمية السياسية والبرلمانية الأردني في الآونة الأخيرة، ورشة حوارية بعنوان “إصلاح الحقل الديني” مثلت منطلقا للحديث عن أهمية بناء الدولة المدنية والعصرية والعلمانية ودولة القانون والمؤسسات. وقد تناول الحوار الأسس الأولى لطبيعة الدولة المرجوة وهي أنسنة الأديان وتعزيز دور العقل العربي في نمو الإنسانية وإصلاح الخطاب الديني خدمة لتلك الأغراض.
الخميس 2015/06/04
هل تساعد الندوات والحوارات في إصلاح الحقل الديني؟

عمان- قال الطاهر المصري رئيس الوزراء الأردني الأسبق الذي أشرف على الورشة، إن “الجدل منذ بدء الخليقة قائم حول مفهوم الخير والشر، الخطأ والصواب، فالخير من وجهة نظر شخص ما يمكن أن يكون شرا من وجهة نظر أخرى”.

وقد فسر الطاهر المصري هذه الكلمات مؤكدا أن “الحقيقة نسبية” ولا أحد يملك سلطة التأويل المطلقة للنص المقدس، وهو الأمر الذي يحتم على الجميع الاحتكام إلى العقل البشري والتفكير الجماعي في التأويل واستنباط الأحكام، “وهو الباب الأول للعقلانية العربية”، العقلانية التي بحث عنها العديد من المفكرين والمؤرخين وأكدوا في جميع نصوصهم أنها عقلانية متأصلة في الفكر والتاريخ العربيين.

ودعا المصري إلى إصلاح الخطاب الديني المتطرف، باعتبار أن الخطاب الديني الأصلي هو خطاب يدعو إلى التسامح، موضحا أن الحاجة إلى خطاب يقبل الآخر يدعو إلى المحبة والتكاتف الاجتماعي وينبذ العنف بجميع أشكاله، هو ما بات أمرا لا بد منه، مشيرا إلى أن ذاك ينطبق على الخطاب الديني الإسلامي والمسيحي واليهودي وكل الأديان.

وأكد المجتمعون أن الوطن العربي اليوم يعيش ظروفا قاسية، ومن أبرز الأسباب التي أدت إلى ذلك هو تعاظم الصراع الطائفي واحتلال فلسطين، الأمر الذي زاد من حجم المشاعر الدينية ومعاناة المواطن العربي من أنظمة استبداد واحتلال العراق، والحرب الأهلية في سوريا.

وقدم المصري رؤيته لإصلاح الحقل الديني، وذلك من خلال دعوة الأمم المتحدة إلى المساهمة في أخذ دور ريادي بوقف النزاعات الطائفية ودعم سيادة القانون، داعيا الدول كافة إلى “وقف دعم الحركات الراديكالية المتطرفة بمختلف أشكالها”.

العقلانية ونبذ الفكر الأصولي والتعاطي مع النصوص بشكل متطور، متأصلة في التاريخ الفكري العربي

كما دعا علماء ورجال الدين من كافة الأديان إلى العمل بجهود وطنية ودولية على تجفيف منابع تمويل الحركات المتطرفة ومتابعة مصادرها، باعتبار أن هذا العمل لا يمكنه الحدوث إلا إذا اتفقت الدول على إنهاء هذه النزاعات المسلحة، وتعزيز دور التربية والمناهج في المدارس والجامعات على نبذ التطرف وتعزيز قيم التسامح الإنساني والتشارك الحضاري ورفض أفكار الإقصاء والتهميش لأي شخص، ووقف الحملات التي تدعو إلى الكراهية بجميع الطوائف والملل، والتركيز على فئات الشباب في مواجهة الفكر الديني.

وشدد الجميع على ضرورة “استقلال النظام السياسي العربي من التبعية ومحاربة الفساد، وتأكيد دولة القانون، والمحافظة على هيبة الدولة، ووضع التشريعات التي تلبي طموحات إنسان المنطقة”.

الممثل المقيم لمؤسسة كونراد أديناور الألمانية “أوتمار أورينغ”، تمنى بدوره للمشاركين في أعمال الورشة، التوفيق وفتح حوار مثمر وبناء حول العناوين التي حملتها الورشة.

وقد قسّمت ورشة العمل إلى جلستين، الأولى أدارها النائب محمد الحاج وشارك فيها أستاذ أصول الدين في جامعة آل البيت عامر الحافي، وأستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية جورج الفار.

واعتبر محمد الحاج أن المجتمع بحاجة إلى خطاب ديني إنساني وإلى “صدمات كهربائية عالية في العقل العربي والإسلامي لإعادة الشعور بالحياة”. وأضاف أن العرب أمام إشكالية كبيرة تتمثل في عدم منح فرصة للإصلاح الديني الشامل، داعيا إلى تجديد المناهج والمفاهيم كافة.

ولفت إلى أن الفرصة مواتية للوصول إلى إصلاح ديني مطلوب، لكنه نوّه في الوقت نفسه بأن المثقف المسلم عندما يتحدث عن إصلاح الحقل الديني “فكأنه يسير في حقل من الألغام”.

وفيما دعا إلى احترام التاريخ والعقل الإنساني واحترام الحق في التعبير، أشار البرلماني الأردني محمد الحاج إلى أن العقل العربي “لا يمكن أن يتطور إلا إذا حصل تطور في النص الديني لإنفاذ عوامل النهضة”، مشيرا إلى أن التسامح والتعايش المشترك متأصل في النصوص غير أن القائمين على تفعيل تلك النصوص وصياغتها في خطاب هادف لا يزالون نادرين.

المجتمع في حاجة إلى خطاب ديني إنساني وإلى صدمات كهربائية عالية في العقل العربي والإسلامي من أجل الاستفاقة الحضارية

بدوره، قال المحاضر في الفلسفة بالجامعة الأردنية جورج الفار إنه “كلما كان العقل بشكل عام معاصرا وشاملا ومدركا لروح النص، استطاع إدراك النص أو الخطاب بطريقة واسعة وشاملة، وكلما ضاق العقل أو ضعف ظهرت شوائبه”.

وأشار إلى أنه ربما يكون من الصعب إضافة سطر أو كلمة أو نقطة إلى أي نص ديني مقدس، ولكنه من المستطاع “أن نطور العقول المتعلقة بالنص، وأن يجري التعامل مع النص بمفهوم إصلاحي ويحول أي نص إلى إنساني”، ما سيمكن من استنباط الأحكام بشكل يتناسب مع الواقع دون التعسف عليه أو التعسف على النصوص والنظريات.

وهو ما أشار إليه العديد من المشاركين، مؤكدين أهمية قاعدة ابن رشد في هذا السياق “إذا خالف النص العقل، وجب تأويل النص”، وهي محاولة أصيلة في الفكر الإسلامي العربي لتأسيس عقلانية عربية رائدة وعالمية تكون المرجع الأساسي في حل لغز التطرف والتعصب ونشر قيم المواطنة والحداثة والدولة المدنية التي تحوي مجتمعا متنوعا ومتعايشا يسوده القانون والنظام والمصلحة الوطنية.

وقد ناقش الحضور عددا من المقترحات وزوايا النظر والمداخل النظرية والعملية في تصور المجتمع العلماني، وقد دفع البعض إلى أن يكون النموذج محاكيا للمجتمعات الأوروبية، إلا أن عددا من الباحثين والعلماء أكدوا أن للعرب في التاريخ نماذج عديدة وأصيلة للعلمانية والمجتمع العقلاني المنظم وفق قواعد قانونية ومؤسسات بعيدا عن الطائفية والدينية والتمييز.

13