العلمانية لا ترهب إلا الإرهابيين

الأربعاء 2017/11/29
خدعة الإخوان

هل أصبحت الإسلاموفوبيا سلوكا ثقافيا في فرنسا حقا، كما تروج صحف اليسار وطوائفه وبعض الكتاب ومعظم الصحافيين؟ ألا يقدم هؤلاء بترويجهم لكلمة إسلاموفوبيا صورة مشوّهة عن وضع المسلمين في فرنسا ويضللون الرأي العام ويقدمون دعما للإخوان وعموم الإسلاميين من حيث لا يدرون؟ فهل أصبحت فرنسا مذبحة للمسلمين والعرب؟ هل يمكن الحديث عن رهاب ما؟ هل هو خوف لاعقلاني من الإسلام كما توحي به كلمة إسلاموفوبيا؟

في فرنسا، لا يمكن أن تجد بسهولة إنسانا مكوّنا تكوينا طبيعيا يكره المسلمين لكونهم مسلمين أو يكره الإسلام أو أي ديانة أخرى. حتى الأقلية العنصرية لا تجرؤ على إظهار ما يختلج في دواخلها من أحقاد. ففضلا عن وقوف القانون بالمرصاد لكل من تسوّل له نفسه الأمّارة بالكراهية أن يعتدي على الغير جسديا أو ماديا، تجد الأفكار العنصرية مناهضة شديدة وحاسمة من لدن المجتمع المدني الفرنسي.

ولئن كان العنصريون يمرحون ويسرحون في بلادنا، فينعتون هذا بالضال وذاك بالكافر المغضوب عليه، عبر وسائل الإعلام الرسمية ومختلف المنابر وخطب الجمعة المنقولة على أمواج الأثير، دون أن يلاحقوا قانونيا ودون أن يُسألوا إعلاميا، فإنّ إخوانهم في كره الآخر في الغرب وفي فرنسا تحديدا، سرعان ما يجدون أنفسهم متّهمين في المحاكم بمجرّد محاولة التعبير همسا عن كرههم للآخر.

في بلاد المسلمين تمارس العنصرية علانية أمام ربّ العالمين، ولو لم يغضّ الغربيون الطرف عمّا يقال عنهم عندنا وكيف ينظر إليهم جيرانهم المسلمون، وكيف تصفهم كتب المسلمين لأصبحوا عنصريين أجمعين. وبغض النظر عن الإرهاب، فمن يتابع ما يرتكبه الإسلاميون من اعتداءات على الفضاء العلماني في فرنسا لا يحزن فحسب، بل يستغرب كيف لا يصوّت الفرنسيون في أغلبهم لصالح اليمين المتطرف؟

الإسلاموفوبيا، خدعة وفخّ للمغفلين، يخلط بها الإسلاميون الأوراق، فيوهمون الناس أنّ كلّ من يعاديهم يعادي الإسلام والمسلمين، بل هو مريض يعاني اضطرابا نفسيا، يجعله يخاف خوفا لاعقلانيا من الشريعة. فالشريعة، حسبهم، ليست خطيرة ومن يخاف منها فهو مريض مسكين أو جاهل أو عنصريّ يكره العرب والمسلمين. في بلدانهم الأصلية كانوا ولا يزالون يعتبرون كلّ من لا يجاريهم في غيّهم سفيها وماسونيا وشيوعيا.

ويحرمونه حتى من حقّ الانتخاب (السفيه لا يحقّ له الانتخاب في برنامج الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية، وللقارئ أن يتخيّل ما يقصد الأصوليون بالسفيه).

لكل إنسان الحقّ في أن يحمل من اللباس ما أراد لكن حينما يتمترس داخل ذلك الحجاب الشامل، يصبح هذا الأمر متعلقا بالأمن

وتلك تهم محسنة لخّصها إخوانهم في الغرب في عبارة “الخوف اللاعقلاني من الإسلام”، لتتماشى مع متطلّبات الأسلمة.

لا أحد ينكر أن في فرنسا إرادة حقيقية لجعل الإسلام يتمتع بمكانة مساوية لكلّ الديانات الأخرى، وهذا أمر طبيعي في إطار العلمانية الفرنسية. “أنا محظوظة أن أولد في هذا البلد ذي الثقافة المسيحية اليهودية، الذي أتاح لي عن طريق علمانيته أن أمارس شعائري الدينية بكل حرية، ودون أن يتدخّل أحد في ضميري واعتقاداتي”. هكذا تعترف فضيلة عمارة قبل أن تتبوّأ منصبا وزاريا في عهد نيكولا ساركوزي.

الإسلاموفوبيا، بهذا الاختراع يحاول الإخوان وحلفاؤهم اليساريون تغطية حقيقة الهجوم الإسلامي على أوروبا، وصدّ بل وتجريم كلّ نقد نزيه يوجه لأيديولوجيتهم، وإسكات المسلمين الرافضين للشريعة وتعطيل كل محاولة انعتاق من الدين في بلدان الإسلام. حيلة الإسلاموفوبيا هي خط أمامي في حربهم ضدّ العلمانية التي بدأت تتخلّص من عقدتها رويدا رويدا داخل المجتمعات العربية.

هل هو إسلاموفوبي من ينادي بفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين الرجل والمرأة والعيش تحت إرهاب نيران جهنم، ويدين قطع يد السارق ورجم الزاني والزانية وعدم اعتبار الآخرين “قردة وخنازير”؟ إنّ كره هذه العادات والأفكار لا يعني البتّة كره المسلمين، وانتقاد تدخّل الشريعة في حياة الناس الحميمية ليس انتقادا للمسلمين. العلماني فرنسيا كان أو عربيا أو توغوليا، لا يكره المسلمين وإنما يكره رجم المسلمات وجلد المسلمين وضرب أعناقهم ودفعهم إلى معاداة بقية الإنسانية.

لا أحد من العلمانيين تزعجه صلاة إنسان أو صومه شهر رمضان أو حجه إلى مكة أو الفاتيكان، ذلك حق تكفله القوانين في بلدان العلمانية. ما هو غير مقبول هو أن يتحوّل الاعتقاد الخاص إلى قضية عامة، وأن يحاول بعض “الحدَاثفُوبيين” ترتيب العالم للآخرين إرضاء لباتولوجيتهم وعقدهم الشخصية ورهابهم من الغيب.

لكل إنسان الحقّ في أن يحمل من اللباس ما أراد لكن حينما يتمترس داخل ذلك الحجاب الشامل، يصبح هذا الأمر متعلّقا بالأمن العام إذ يمكن لأيّ كان أن يختفي تحت هذه الخيمة المتنقلة ليرتكب أفعالا ضدّ المجتمع؟ هل يحقّ لأحد أن يخفي هويته في مجتمع ديمقراطي؟ هل يحقّ للمواطن أن يتحوّل إلى شبح؟

لكي يرضى الإخوان المسلمون عن الجمهورية الفرنسية، وكي يكون بنو جلدتهم مسلمين “صالحين”، ينبغي على هؤلاء اتباع ملّتهم وعلى الجمهورية تركهم يعيثون في العلمانية فسادا، يروجون لقطع الأيدي ويسيلون دم الأضاحي في العمارات ويصلون صلاة الجمعة حيثما أرادوا، ويحرمون بناتهم من حضور حصص الرياضة ودروس الجهاز التناسلي.. وإن لم يقبل الفرنسيون بكلّ هذا سيصنّفون مع الذين بنفسهم مرض، الذين يكرهون العرب ويخافون الإسلام دون سبب.

لا يكره معظم الفرنسيين معظم المسلمين ولا يخافونهم. على عكس ما تحاول الجماعات الإسلامية ترويجه إنهم ليسوا مرضى بل يهابون بوعي من الإسلام الشامل، الشريعة.

لا مجال للحديث عن إسلاموفوبيا وهمية! هناك فقط حداثوفوبيا يعاني منها المتأسلمون فإن خاف الغربيون من أحكام الشريعة التي يبشر بها الإخوان، فهو خوف واع مشروع لأنها تهدد بإطفاء الأنوار الأوروبية والعودة بالإنسان إلى قرون الظلام.

13