العلمانية ومآلات خصومها

الأحد 2017/12/10

لا تزال الوُجهة العلمانية، في بلادنا، تكابد الانسداد، وتتعرض للاتهام الجزافي بأنها قرينة الإلحاد، بينما هي ليست كذلك. فكل ما يتوخاه العلمانيون هو التأكيد على أن تطور الحياة، يستلزم النسبية، بمعنى أن حياة الإنسان، تُقاس وتُساس، بمعايير زمانية.

لقد أدرك ذلك الطبيب والفيزيائي الأندلسي المسلم ابن رُشد في القرن الثاني عشر، والتقط الأوروبيون فلسفته وأقلعوا بها إلى القرن السادس عشر. ومن المفارقات، أن الذين ترجموا له بغير اللاتينية، هم اليهود ونقلوا ما كتب إلى اللغة العبرية. وكان هؤلاء، عندما أسسوا حركتهم الصهيونية، في نهايات القرن التاسع عشر، قد تستروا على مضامينها الدينية، واعتمدوا العلمانية، ولم يكن قادتهم المؤسسون، متدينين أصلا.

لا تزال العلمانية عندنا سُبة، ليس على صعيد الذين يريدون الاستمرار في تحكيم المطلق الفقهي في تفصيلات الحياة المتحركة، ونكران النسبي وحسب؛ وإنما على صعيد الدول التي ظلت تنافق المنحى الديني، بكل ما فيه من تباينات فقهية، افتتانا بفكرة الاستحواذ على السلطتين الزمنية والروحية، امتدادا لتجارب الأسبقين.

كان فرح أنطون، الصحافي والروائي والكاتب السياسي اللبناني، قد لجأ إلى مصر في نهاية القرن الـ19. درس أنطون فكر ابن رُشد وأصدر في العام 1903 كتابه عن فلسفته، وأهدى الكتاب إلى كل العقلاء في كل مِلة وكل دين في الشرق، الذين عرفوا مضار مزج الدنيا بالدين في عصر كهذا العصر، فوضعوا أديانهم في الموضع المقدس راغبين في الوقت نفسه، في أن يتمكنوا من الاتحاد اتحادا حقيقيا، لكي يجاروا التمدن الأوروبي الجديد، ومزاحمة أهله، وإلا جرفهم جميعا وجعلهم مُسخّرين لغيرهم.

كذلك فعل الشيخ علي عبدالرازق، بكتابه “الإسلام وأصول الحكم” الذي يدحض الزعم بأن سلطان الخليفة مشتق من سلطان الله. تعرض الشيخ للإقصاء، وكانت له بالمرصاد، “هيئة علماء” أصولية، حكمت عليه بالحرمان من مناصبه، وإخراجه من عالم المشيخة.

مع تمادي الإرهاب الإسلاموي، رأت الدولة المصرية وجوب إعادة طبع كتابه بعد قرن من الزمان، رُغم أن الشيخ عبدالرازق نفسه، الذي استبد به الرعب قبل وفاته؛ أوصى بعدم إعادة الطبع.

مضى اليهود في طريق صهيونيتهم يلتمسون تقدمهم العلمي، ويضمرون أصوليتهم العميقة المفعمة بالبغضاء، بينما خاب أمل الشيخ علي، أمام المد الأصولي، الذي استفاد أصحابه من اللجوء الآمن في المنفى الإنكليزي، أي في بلد جان لوك منظّر فكرة الدولة الذي تأثر به عبدالرازق. طورد الأذكياء وحلَّ الأغبياء الفاشلون في فسطاطين بائسين: الدولة وخصومها من الإسلامويين.

24