العلم لا يزال يبحث تورط الهاتف المحمول في الإصابة بالسرطان

بعد سلسلة مكثفة من الدراسات، لم يستطع أي فريق علمي إثبات تورط الهواتف المحمولة أو براءتها، حول ما يتعلق بالتسبب في الإصابة بالسرطان.
الاثنين 2016/07/11
الهاتف المحمول في قفص الاتهام

واشنطن – هل من الممكن أن يتسبب استخدام الهاتف المحمول في الإصابة بمرض السرطان حقا؟ يحاول العلماء منذ سنوات البحث عن إجابة عن هذا السؤال ولكن الجدل والنقاش لا يزالان مستمرين. في الوقت الحالي توصلت دراستان إلى نتائج متعارضة تماما.

من ناحية هناك الدراسة التي مولتها الحكومة الأميركية بتكلفة 25 مليون دولار والتي تثير حماس معارضي الهواتف المحمولة، حيث أقدم باحثو برنامج علوم السموم القومي على مدار عدة أعوام على تعريض ألفين و500 فأر وجرذ تجارب لأشعة الموجات الصغرية (ميكروويف) المعروفة باسم (جي إس إم) و(سي دي إم إيه). كان المعدل هو 10 دقائق من التعرض للأشعة و10 دقائق من الراحة. تحملت الجرذان عامين بمعدل تسع ساعات يوميا بتردد 900 ميغا هيرتز والفئران بتردد ألف و900 ميغا هيرتز.

وتثبت النتائج، التي لا تزال مؤقتة في حالة الفئران، أن الجرذان الذكور التي تعرضت للإشعاع طوروا أوراما مخية حميدة وأوراما في القلب. ويرى الفريق الذي يقوده مايكل ويد أن هذه الأورام “تكون غالبا ناجمة عن الإشعاع الموجه للجسد بأكمله عبر موجات (جي إس إم) و(سي دي إم إيه)”.

ومن أصل 90 جرذا تعرضوا للإشعاع في مجموعات الدراسة الست رصدت أورام مخية في ثلاثة، فيما ارتفع هذا الرقم بالنسبة إلى القلب إلى ست حالات. أما بالنسبة إلى الـ90 التي لم تتعرض للإشعاع فلم يطرأ تغيير. على الرغم من هذا فإن حالات إناث الجرذان لم تظهر نتائج ذات مؤشرات إحصائية، بل إن القوارض التي تعرضت للإشعاع عاشت لوقت أطول من المجموعات الخاضعة للسيطرة.

ويؤكد العلماء في المقالات التي تصاحب دراستهم أيضا أن التجارب على الحيوانات لا يمكن تعميمها بشكل مباشر على الأشخاص. وكما حدث في الكثير من دراسات الأمراض الوبائية سابقا فإن الأورام تطورت في مواد البحث التي تعرضت لأشعة الهواتف الذكية. ولعبت هذه الدراسات السابقة أهمية كبيرة لكي تصف منظمة الصحة العالمية في 2011 أشعة الهواتف المحمولة كـ”أحد الأسباب المحتملة للإصابة بالسرطان”، ولكن لا يجب نسيان أن هذه القائمة تضم أيضا بعض الخضروات والقهوة.

وقدم فريق أسترالي، بالتزامن تقريبا مع نشر الدراسة الأميركية، بحثا أجراه طوال 30 عاما، حيث يقول صاحبه سيمون تشابمان وفريق عمله لمجلة ‘كانسر ابيديمولوجي’ “لم نعثر على أي زيادة في انتشار أورام المخ ترتبط بالزيادة الكبيرة في استخدام الهواتف المحمولة”.

واستخدم الباحثون سجل مرضى السرطان في أستراليا وفحصوا تشخيصات الأورام الخاصة بـ19 ألفا و800 رجل و14 ألفا و200 سيدة بين 20 و84 عاما بين عامي 1982 و2012 ، هذا مع الأخذ في الاعتبار أن أول الهواتف المحمولة وصلت لأستراليا في 1987، فيما نسبة انتشاره في 2014 بين السكان بلغت 94 بالمئة.

15 أو 20 عاما إضافية على الأقل لإعداد دراسة تأخذ في الاعتبار عامل الانتشار الفعلي للهواتف المحمولة

وعلى ضوء دراسات سابقة كان العلماء يتوقعون العثور على زيادة واضحة في حالات الإصابة بالسرطان ولكن هذا الأمر لم يحدث، حيث أن الزيادة كانت طفيفة في حالة الذكور ويمكن تفسيرها وفقا للخبراء بسبب تطور أساليب التشخيص. على الرغم من هذا فإن هذه الدراسة ليست معفية من الانتقادات، حيث يعتبر خبير التكنولوجيا الحيوية بجامعة هلسنكي داريوز ليتشينسكي الذي استشارته منظمة الصحة العالمية في قرارها عام 2011 أن السنوات العشر التي تعتبرها الدراسة فترة تكوّن المرض غير كافية، بل ويقول في مدونته إنه لا يمكن الحديث عن 29 عاما من استخدام الهواتف المحمولة بل 15 عاما على الأكثر، بعدما انتشرت هذه الأجهزة بالفعل.

وحتى الآن لم يقدم العلم إجابة صحيحة بخصوص هذه الإشكالية، في الوقت الذي ازداد فيه اعتماد البشر على الهواتف المحمولة ليس فقط للتواصل عبر المكالمات الهاتفية، بل في الكثير من الأمور مثل برامج المحادثة والتراسل والتواصل الاجتماعي عبر فيسبوك وواتس آب وتويتر، بل وفي مجالات تعليم الأطفال عبر البعض من التطبيقات التي تعرفها العديد من الأمهات.

ويبدو أن الوقت قد يطول للتوصل إلى نتيجة موثقة علميا بالشكل الذي طرحه الخبير في مجال التكنولوجيا الحيوية، لأنه وفقا لكلامه ربما يحتاج الأمر لـ15 أو 20 عاما إضافية على الأقل لإعداد دراسة بشكل مناسب تأخذ في الاعتبار عامل الانتشار الفعلي لهذه الأجهزة، ولكن هذا لن يعني بأي حال من الأحوال أن تجارة الهواتف المحمولة قد تتراجع أو تتأثر. ومن خلال المشروع الدولي للمجالات الكهرومغناطيسية، أسست منظمة الصحة العالمية برنامجا تكون مهمته متابعة الدراسات العلمية الخاصة بالمجالات الكهرومغناطيسية وكذلك تقدير الآثار الصحية للتعرض للمجالات ذات الترددات ما بين (0 وحتى 300 غيغاهيرتز). يقوم البرنامج بتقديم النصيحة والمشورة العلمية حول أي مخاطر تنتج عن التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية وأي حاجة لعمل تدابير وقائية.

وبعد استعراض شامل للأبحاث المنشورة على المستوى الدولي، أشرف المشروع على عدة أبحاث لملء الفراغات في معارفنا العلمية، وقد ساهمت الحكومات وكذلك مراكز البحوث في توفير دعم مالي للمشروع تجاوز 250 مليون دولار في السنوات العشر الأخيرة.

17