العلم والتقدم الحضاري لا وجود لهما في قاموس الأمة الإسلامية

الأربعاء 2013/10/30
ارتفاع الأمية يغذي التيارات المتشددة ويدعم التطرف والإرهاب

يتعرّض المفكر محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري السابق، في كتابه «الفكر الديني وقضايا العصر»، الصادر عن الهيئة المصرية للكتاب، إلى عدد من القضايا التي تشكل في مجملها محاولة للتعرف على الأسباب التي أدت إلى ما يجري اليوم على الساحة العربية والإسلامية من تناحر وتصارع نتيجة التردي الفكري وعدم القدرة على صياغة رؤية فكرية مستقبلية.

يرى زقزوق أن الخلل في الفكر الديني المعاصر ليس وليد اليوم، ولكنه يمتد إلى قرون عديدة سابقة شهدت تراجع الحضارة الإسلامية. وقد انعكس هذا التراجع على الفكر الديني، إن لم نقل إن تخلف الفكر الديني كان أحد أسباب هذا التراجع. ويدلل على ذلك بأن «جهود العديد من المصلحين على مدى القرون الماضية انبنت على إصلاح الفكر الديني اقتناعا منهم بأن إصلاح الفكر الديني هو السبيل إلى إصلاح الفكر بصفة عامة، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس بدوره على أحوال الأمة في شتى أنحاء العالم الإسلامي».

ويؤكد زقزوق أنه «على الرغم من الجهود الحثيثة والمحاولات المتواصلة على هذا الطريق- إصلاح الفكر الديني – فإن النتائج ظلّت متواضعة إلى حد بعيد، وذلك بالنظر إلى العقبات التي تراكمت على مر الأيام، وتركت آثارها العميقة على عقول المشتغلين بالفكر الديني، مما تسبب في كل مرة في عودة المياه الراكدة إلى سكونها المعتاد».


مبدأ الاجتهاد


يناقش قضية الاجتهاد، مؤكدا أنها مبدأ مستمر على مدى الأزمان وليس خاصا بفترة زمنية معينة، ولكن «للأسف الشديد تركنا الاجتهاد ولجأنا إلى التقليد في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الاجتهاد من أي وقت مضى، والملاحظ أنه حتى يومنا هذا نجد أن فقهاءنا حين يبحثون عن حل شرعي لمشكلة جديدة فإنهم يبحثون في بعض المذاهب الفقهية القديمة وفي بطون الكتب التي ألف الكثير منها في عصور التراجع الحضاري للأمة الإسلامية».

ويتساءل «هل يعقل أن تكون الحلول التي توصل إليها الفقهاء السابقون، مع احترامنا لاجتهاداتهم في عصورهم، هي نفس الحلول لمشكلاتنا المعاصرة؟ أين نحن من فقه الواقع الغائب عن أذهان الكثير من فقهائنا؟ أين نحن من فهم الواقع الحالي للمرأة؟ وهل المرأة اليوم هي نفس المرأة التي كانت في عهد مؤسسي المذاهب الفقهية؟

وأين الاجتهاد المتجدد الذي فتح بابه واسعا صاحب الشريعة؟ وأين نحن من فهم مقاصد الشريعة وجوهر الدين؟ وإلى متى سنظل عالة على فقهائنا الأقدمين؟».

يرى وفقا لذلك أن الاجتهاد في عصرنا الحاضر هو الفريضة الغائبة، وممارسة الاجتهاد أصبحت فرض عين على كل من لديه المؤهلات لذلك، ولدينا الفقهاء المؤهلون للاجتهاد ولكنهم في حاجة إلى شجاعة مضاعفة: شجاعة في رفع قيد التقليد وشجاعة في وضع قيد العقل الإنساني للانطلاق إلى آفاق التقدم والرقي ليس فقط على مستوى الفكر الديني بل على مستوى الفكر بصفة عامة وعلى مستوى تطوير حياتنا وتعمير دنيانا وإسعاد أجيالنا في الحاضر والمستقبل.

محمود حمدي زقزوق يبحث في الفكر الديني وقضايا العصر


التجديد في الخطاب الديني


يتعرض الباحث إلى قضية التجديد في الخطاب الديني في أكثر من موضع في كتابه مؤكدا أنها ليست قضية موسمية أو مؤقتة أو مستوردة وأن من الطبيعي أن يكون الخطاب الديني مواكبا لظروف كل عصر ولما يدور فيه من متغيرات وذلك بالتجديد المستمر في أسلوب الخطاب الديني وفي مضمونه حتى يستطيع أن يصل بالرسالة التي يريد توجيهها إلى عقول الناس وقلوبهم، أما إذا انفصل الخطاب الديني عن واقع الحياة ومتغيرات العصر فإنه لن يجد من يلتفت إليه أو يعيره اهتماما، ويقول «الخطاب الديني يعد رسالة دينية ودنيوية في الوقت نفسه، ومن شأن الخطاب الديني المستنير أن يحرّك الناس ويدفعهم إلى العمل والإنتاج، وبذلك يساعد في دفع عجلة الحياة إلى الأمام. ولا يجوز أن يقتصر هذا الخطاب على موضوع الترهيب المستمر والتخويف المتواصل من العذاب المقيم في نار جهنم، فالإسلام أولا وقبل كل شيء دين الرحمة للإنسانية».

ويضيف «آن الأوان لأن ينشغل الخطاب الديني المعاصر بهموم الناس وقضايا المجتمع ومشكلات العصر، والاهتمام بمقاصد الشريعة التي تؤكد الحقوق الأساسية للإنسان في كل مكان وزمان، والعناية بقضايا المرأة وتمكينها من القيام بدورها في تقدم المجتمع والتركيز على القيم الإسلامية الدافعة إلى تقدم المجتمع وترقية الحياة مثل العلم والعمل والحفاظ على الوقت واستثماره في كل عمل مفيد، والاهتمام بقضايا قبول الآخر والحوار بين الأديان والحضارات وقضايا البيئة والإدمان والصحة النفسية للأفراد والجماعات والعمل على إحياء الأمل في النفوس وحمايتها من الإحباط واليأس، وقبل كل ذلك وبعده تمكين العقل الإنساني من أداء دوره الفاعل في الحياة وتربية العقلية النقدية.

اجترار الذكريات

يوجه زقزوق إلى حتمية تشجيع التفكير النقدي، الذي يعني عدم القبول بشيء إلا بعد اختباره والتأكد من صحته، على جميع المستويات فإن ذلك من شأنه أن يحرّك المياه الراكدة ويوقظ العقول التي تم تخديرها بشكل أو بآخر فأصبحت عاجزة عن التفكير بصفة عامة والتفكير النقدي بصفة خاصة، ويطالب بضرورة «تعليم أبنائنا وبناتنا التفكير النقدي حتى يكونوا قادرين على التمييز بين الخير والشر والصواب والخطأ، وبذلك نوفر لهم الحماية من الانسياق وراء دعاوى التطرف والجمود والانغلاق أو أية دعاوى أخرى هدامة ترمي إلى محو هويتهم الحضارية، فواقع الحال يبين لنا أن طريقة التعليم التقليدية التي تعتمد على مجرد الحفظ والتلقين لا تنتج لنا إلا أناسا من أصحاب الشخصيات الباهتة التي لا لون ولا طعم لها، أي تنتج شخصيات متواكلة واستسلامية.

وحول التفاخر بما أنجزه الأوائل من العلماء المسلمين، يشير إلى أنه «لا يجوز أن نضيع الكثير من الوقت والجهد أو الوقوف عند حد اجترار الذكريات أو التغني بالأمجاد، فقيمة المرء بما يقدمه من عطاء وليس بما قدمه أسلافه».

وفي هذا الشأن يحكي زقزوق عن الأفغاني: «رحم الله جمال الدين الأفغاني، زاره المفكر الإسلامي شكيب أرسلان في الآستانة حينما كان شبه أسير لدى سلطات الخلافة العثمانية، ودار الحديث حول ما رُوي من أن العرب قد عبروا المحيط الأطلنطي قديما واكتشفوا القارة الأميركية قبل أن يكتشفها كرستوفر كولمبوس عام 1492 وقد رد عليه الأفغاني بقوله «إن الشرقيين كلما أرادوا الاعتذار عما هم فيه من الخمول الحاضر قالوا: أفلا ترون كيف كان آباؤنا، ولكنكم أنتم أولاء كما أنتم فلا يليق بكم أن تتذكروا مفاخر آبائكم إلا أن تفعلوا فعلهم».

ويضيف «أن التراجع الحضاري في العالم الإسلامي قد بدأ عندما قنع المسلمون بما فعله الأجداد، وعندما شاعت مقولات تنشر اليأس في النفوس تقول إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأنه لم يترك الأول للآخر شيئا، وشاع ذلك في كل مجالات العلوم العقلية أو الطبيعية أو حتى الدينية. ومن هنا خرجنا نحن المسلمين من حلبة السباق وأصبحنا كما هو الحال اليوم في مؤخرة الركب.

وهذا ما دفع الشيخ محمد عبده إلى أن يعيب على الفقهاء ـ على سبيل المثال ـ دعوتهم الناس إلى تقليدهم والعمل بما جاء في كتبهم حيث يقول «جعل الفقهاء كتبهم هذه، على علاتها، أساس الدين، فانصرفت الأذهان عن القرآن والحديث، وانحصرت أنظارهم في كتب الفقهاء على ما فيها من الاختلاف في الآراء والركاكة». وكان من نتيجة ذلك «موجات من التقليد الممقوت والتعب الأعمى ومن ثم إهمال العقل ومقرراته والعلم وحقائقه فانتشرت الخرافات والأوهام».


التخلف الحضاري الراهن


يواصل زقزوق التعرض إلى القضايا الرئيسية التي تعترض الإسلام وحضارته فيرى أن أبرز مظاهر التخلف الحضاري الراهن في عالمنا الإسلامي إهمال العلم والحضارة، حيث لم يعد العلم ولا التقدم الحضاري يشكل أولوية في قاموس الأمة الإسلامية، ويكفي دليلا أن نسبة الأمية في العالم الإسلامي تزيد على 46 بالمئة طبقا لبيانات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ومن الطبيعي «أن تجر الأمية وراءها انتشار الخرافات والأوهام وتغييب العقل واختزال الإسلام في مجرد أداء الشعائر المعروفة، والاهتمام المفرط بالشكليات بعيدا عن جوهر الدين ومقاصده، وكانت نتيجة ذلك كله انتشار ظواهر التشدد والغلو في الدين.

وترتب على هذا التشدد في أمور الدين تحول سلبي في السلوك حيث حلت الفظاظة والغلظة والعنف في التعامل محل الرحمة التي هي السمة الأساسية للإسلام، وانتشرت تهم الكفر والتحلل من الدين ضد كل من يعتقد صوابا أو خطأ أنه متساهل في أمور الدين، أو من له وجهة نظر مخالفة لهؤلاء المتشددين، وغني عن البيان أن نشير إلى أن هذا التيار المتشدد كان وراء ظهور موجات الغلو والتطرف والتعب والإرهاب التي جلبت على الأمة الإسلامية عواقب وخيمة».

كل ذلك بالإضافة إلى أن العالم الإسلامي الذي يشكل سكانه خمس سكان العالم أصبح مسرحا مباحا للصراعات المحلية والعالمية ومطمعا للقوى الكبرى «أصبح المسلمون في عالم اليوم أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، فمعظم مشكلات العالم اليوم تجد لها مرتعا خصبا في قلب العالم الإسلامي، أصبح الآخرون يتحكمون في مصائر الأمة الإسلامية، ويقررون وحدهم في غيبتهم أو حتى في حضورهم ما يشاؤون في أخص خصوصياتها».


قضية الإرهاب


ويتوقف عند ظاهرة الإرهاب: أبعاده ومخاطره وآليات علاجه، ويرى أن معالجة الإرهاب في العالم الإسلامي لها طابع خاص مختلف، وذلك بالنظر إلى أن الإرهاب يرتدي ثياب الدين اعتمادا على أن الدين لا يزال له عمق عميق في المجتمع الإسلامي. وأكّد أن المعالجة الدينية تكتسب أهمية خاصة بالإضافة إلى آليات المعالجات الأخرى الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما يدعو إلى التركيز على الجانب الديني.

ويضع عنصرين مهمين في مواجهة الإرهاب انطلاقا من الجانب الديني، أولهما التوعية الدينية السليمة في الإعلام والمؤسسات الدعوية والتعليمية، فالإرهاب يعتمد على جهل غالبية الناس بتعاليم الدين الصحيحة، وعن طريق تعليم أبنائنا التفكير النقدي والكشف عن حقائق الدين والمعرفة السليمة بتعليمه يمكن حماية أجيالنا من عمليات غسيل المخ والانجذاب نحو الشعارات البراقة التي يرفعها الفكر المتطرف، فالإرهاب في العادة يعتمد على فكر خاطئ وتفسيرات مغلوطة للدين، والفكر الخاطئ إذا تحول إلى سلوك أصبح إرهابا، ومن هنا فإن أبلغ رد على هذا الفكر الخاطئ يتمثل في إبراز الأفكار الإيجابية التي تعد أفضل السبل لمواجهة الأفكار الخاطئة والمفاهيم المغلوطة، وذلك عن طريق الإقناع الذي يعتمد على مقررات العقل السليم وعلى النصوص الدينية الواضحة التي تحتمل التأويل، والإنسان الذي يستخدم عقله على نحو سليم لا يستطيع أي فكر متطرف أن يخدمه أو يؤثر فيه.

أما العنصر الثاني في مناهضة التطرف والإرهاب فيتمثل في ترسيخ قيمة التسامح في نفوس أبناء الأمة عن طريق التربية والمناهج التعليمية، والتسامح في الإسلام ليس مجرد قيمة نظرية أو شعار لا مضمون له، وإنما كان وسيظل واقعا معيشا له رسوخه في العقول ومكانته في القلوب وجذوره في التاريخ، ولعل التعرف على نموذج التسامح وتطبيقه وإبرازه للآخرين يكون بالإضافة إلى مناهضته للتطرف والإرهاب، دافعا لهم إلى إعادة النظر في الكثير من المفاهيم الخاطئة عن الإسلام والمسلمين.

6