العلم والقوة

الجمعة 2017/12/15

تطالعنا في أغلب الأوقات مقالات عن تبعيتنا للغرب، وخضوعنا لمخططاته التي لا نملك لردها حيلة، نظرا لقوته العسكرية والاقتصادية، ولكن أصحاب تلك المقالات يغفلون عن ذكر المعرفة التي لولاها ما كان ليبسط علينا هيمنته، ما يحيلنا على ضعف اهتمامنا بالبحوث العلمية كسبب رئيس لطغيان الغرب علينا، فنحن لم نوفر الظروف المواتية لنهضة علمية تمكننا من امتلاك أسباب القوة.

نعرف أن الاكتشافات العلمية والتقنية لا تولد صدفة، وأن التجديد في أبرز تجلياته ظهر في محطات كبرى من التاريخ سواء في بلاد الرافدين ومصر الفرعونية واليونان القديمة والصين في عهد سلالة سونغ، أو في بلاد الإسلام في عصره الذهبي وفي أوروبا إبان عصر النهضة.

ما يعني أن العلوم والأفكار والاختراعات لا تنشأ وتتنقل إلا حيث الحياة الاقتصادية المزدهرة، والبنية الاجتماعية المتماسكة التي يتضافر فيها عنصران هما النمو الاقتصادي ووجود نظام سياسي متعدد المراكز، كما بيّن السويسري دفيد كوزاندي أستاذ نظرية الفيزياء بجامعة برن، فقد قارن جغرافيا الأفكار والحضارات، يونانية ورومانية وصينية وأوروبية وعربية إسلامية، وخلص إلى وجود علاقة بين العلم والقوة، أي أن السلطة السياسية، حين تضمن الاستقرار، توفر الظروف الملائمة للنهضة العلمية التي تحفز بدورها على التجارة والصناعة والتنافس بين الدول. ويضرب مثالا على ذلك تنافس الأكاديميات الملكية في أوروبا خلال القرن السابع عشر، تجاوبا مع تنافس ملوكها.

بيد أن باحثين آخرين نظروا إلى علاقة العلوم بالقوة السياسية والاقتصادية من زاوية أخرى، ورأوا في العلوم التقنية وسائل هيمنة، أي أن العلم في نظرهم تابع في أغلب الأحيان للسلطة، تستعمله في تسيير دواليبها وتدبير شؤون رعاياها دون ريب، ولكنها تستعمله أيضا لحيازة المزيد من النفوذ والإمكانات والمجد الذي تطاول به الأمم الأخرى، ويسوقون على ذلك أمثلة كثيرة كالكتابة والمحاسبة اللتين ظهرتا لضبط الجباية وتدوين القوانين وتنظيم الأنشطة الفلاحية، وعلم الفلك الذي كان حكرا على أسياد تلك الأزمنة على غرار ملوك بابل وفراعنة مصر وأباطرة الصين، تماما كالفيزياء التي استُغلت في فرنسا داخل المدارس الحربية والهندسة المدنية، وقس على ذلك الكمبيوترات التي هي في الأصل ثمرة الصناعة الحربية الأميركية.

أي أن تطور العلوم الحديثة، لا سيما العلوم التقنية، صار وثيق الصلة بظروف مخصوصة، حيث الجامعة والصناعة والإدارة، حربية كانت أم مدنية، مرتبطة في ما بينهما بروابط متينة. وهو ما أشار إليه فوكو بمصطلح “رابط المعرفة والنفوذ”، فمن يملك المعرفة يملك النفوذ، ويملك طاقة إرغام غيره على ما يكره.

كاتب تونسي

15