العلم واللاهوت

القول بوجود قطيعة معرفية بين العلم واللاهوت لا ينبغي أن يفضي إلى نشوء أصولية لاهوتية من جانب تقابلها أصولية “علموية” من جانب آخر.
الأربعاء 2018/06/13
ليس ثمة من إمكانية للتعايش القسري بين العلم واللاهوت

“العلمُ مزية جميلة، وهو أداة عظيمة النفع”

 مونتين

تختزل عبارة مونتين الأيقونية، وبكيفية مكثفة ورائعة، أهمية العلم الجوهرية في جانبيه القيمي الجمالي والبراغماتي منذ أن صار العلم قوة أكيدة في تطوير الحياة البشرية والاندفاع بها نحو مرتقيات أعلى؛ لكن ماذا عن العلم باعتباره نسقا ثقافيا؟ أو لنجعل السؤال مُصاغا، بطريقة أكثر دقة من الناحية المفاهيمية: ماذا عن البنية التحتية القيمية التي يساهم العلم في ترسيخها والارتقاء بها وبخاصة في بيئتنا العربية؟ تلك موضوعة معقدة ومشتبكة، وهي موضع دراسة مبحث تأريخ العلم وفلسفته، بالإضافة إلى أنثروبولوجيا العلم وعلم اجتماع المعرفة العلمية، ولستُ هنا في مجال تناول كل هذه الاشتباكات المعرفية بل سألقي بعض ضوء على موضوعة محددة في هذا المبحث الحيوي وهي القطيعة المفاهيمية بين العلم والأنساق اللاهوتية والدين إجمالا.

نعرف قرون الصراع التي شهدت احترابا، فكريا، عظيما، بين العلم في بواكيره الأولى وبين الأنساق اللاهوتية الممثلة في المؤسسة الكنسية في الغرب، وقد خسر الكثير من العلماء حياتهم أو حريتهم حينذاك، وتطلّب الأمر قرونا من النضال الفكري حتى بلغنا حالة حصل فيها -في الغرب بخاصة- نوع من الاعتراف بفصل الأدوار بين الأنساق اللاهوتية والأنساق العلمية، وتطور الأمر حتى بلغنا مرحلة الدولة المدنية المحكومة بقوانين إنسانية تُعلي الشأن البشري بعيدا عن التصورات الأخروية.

ليس ثمة من إمكانية للتعايش القسري بين العلم واللاهوت، وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألتين في غاية الأهمية: المسألة الأولى إمكانية بقاء كل من العلم واللاهوت ماكثا في فضائه الخاص وضمن هياكله المؤسساتية من غير تأثير مباشر أو غير مباشر من جانب اللاهوت على المؤسسة العلمية، والمسألة الثانية هي أن القول بوجود قطيعة معرفية بين العلم واللاهوت لا ينبغي أن يفضي إلى نشوء أصولية لاهوتية من جانب تقابلها أصولية “علموية” من جانب آخر، ونحن نعرف تماما الأضرار المؤكدة التي تأتي بها الأصوليات في مختلف أشكالها.

سيندفع الكثيرون حتما إلى المناداة بخطر فكرة القطيعة بين العلم واللاهوت، ولن تفوتهم الإشارة إلى جهود لا تنفك تُبذل للتأكيد على وجود توافق (مهما كان نوعه أو شكله) بينهما، وسيعلو صوت الفقهاء الذين يتفننون في ليّ عنق الظواهر العلمية وجعلها تتفق قسريا مع المواضعات الدينية، من خلال تفعيل الجهاز الفقهي الذي يظن في نفسه القدرة على مواءمة الإنجازات العلمية مع المقولات الدينية عبر التواءات لغوية ساذجة في تفسير النص الديني يترك الأصل وينغمر في مماحكات لغوية عقيمة، ويعلم معظمنا أمثلة لا تحصى عن هذه القضية الشائكة التي ارتزق منها بعض المؤولين.

العلم مبحث معرفي يختلف تماما، عن فضاء اللاهوت (والدين بعامة)، والقطيعة بينهما هي قطيعة معرفية فحسب؛ لكن هذا الأمر لا يعدم إمكانية التعايش بينهما متى ما صار اللاهوت نسقا ثقافيا مثل سائر الأنساق الثقافية التي لا تتحصن وراء جدران القداسة المفترضة التي تحميها من إمكانية المساءلة والفحص والمراجعة، من أجل أن تصبح قادرة على إضافة قيمة إثرائية للحياة، وكم أتمنى أن أرى مؤسساتنا الفقهية ترتقي للدور الذي تضطلع به “مؤسسة تمبلتون” في الغرب والتي تسعى لتشكيل رابطة جديدة بين العلم والدين باعتبارهما نسقين ثقافيين ضمن الأنساق البشرية بعيدا عن سطوة المقدسات العتيدة.

14
مقالات ذات صلة