العلم يتطفل على السعادة

الخميس 2017/01/05

ثمة كلمات يبدو أن الإنسان تورّط بابتكارها، لجهة انشغاله ومنذ قرون بعيدة بالبحث عن فهم أخير لدلالاتها وتصور نهائيا لمعناها. كلمات مثل “الزمن”، “الحب”، “العقل”، “الجمال”، كانت في حاجة، ولم تزل، إلى نتاج غزير من أعمال الفكر والتصور والخيال والشرح لتوصيفها، بل إن الكلام عنها لغرض تعيينها بات فعلا يماثل اكتشاف المجهول ذاته، ربما بأسباب وفرة القول فيها وعدم الانتهاء من تعريفها.

تكاد مثل هذه الكلمات، وما تدل عليه، من مشاعر خبيئة أو حضور معلن، تضاهي ذات التوق الإنساني ورغبته إلى الاكتمال، وربما جاءت تمثيلا لشوقه الدائم وتعلقه اللجوج كي يكون، هناك، في الأبعد.

مفردة “السعادة”، هي أيضا من صنف هذه الكلمات المغمورة، الغامضة، العصية، المبهمة، الملتبسة، الملغزة، المموهة، المتنكرة، لكنها في ذات الوقت، هي من البساطة والسهولة واليسر حتى بمقدور الجميع الحديث عنها.

الاهتمام بالسعادة، أصبح أمميا، كذلك، منذ أن نشرت الأمم المتحدة تقريرها عنها في العام 2012، والتي احتل فيه الدنماركيون المرتبة الأولى عالميا، بوصفهم الشعب الأكثر سعادة، وقد تبوأوا هذا العام، التصدير نفسه. علل اثنان من العلماء سعادة هذا الشعب، بوجود فارق في الجينات عن جينات الشعوب الأخرى.

مثل هذه الإتاحة والتولّع التي انطوتا عليهما المفردة، كما الحال مع إشكالية تعريفها، دفع العلماء إلى إجراء اختبارات، أخرى، لغرض تعينها. دلّت آخر تلك البحوث عن اكتشاف رجل فرنسي يعيش في دير بوذي في النيبال، هو الأكثر سعادة في العالم. حيث أظهرت الدراسة أن دماغه ينتج مستوى عاليا من موجات “غاما”، لم يلاحظها العلماء في اختبارات علمية سابقة، جراء النشاط المفرط في الجانب الأيسر من دماغه بالمقارنة مع الجهة اليمنى، الأمر الذي يزوده بهذا القدر الكبير من السعادة.

التباين ما بين الجين ونشاط الفص الأيسر للدماغ، يستدعي الانتباهة إلى أن السعادة باتت، في عالمنا المعاصر، شأنا علميا، ما يعني المزيد من الاختلاف والإفاضة بشأنها.

لكن كيف للعلم، وهو الممارسة القائمة على الملاحظة والتجربة والقياس، أن يبين لنا معنى أو تعريفا ما للسعادة، وهي الموضوع الذي لا يلاحظ ولا يجرب ولا يمكن قياسه؟ لذا كان التعلق بها من حصة هؤلاء الممتلئين شغفا بالخاص الذي لا يمكن تعريفه.

بخلاف التقرير الأممي الذي قاس السعادة بكونها الرفاهية التي تجمع أهدافا اقتصادية واجتماعية وبيئية، جاءت إجابة الدنماركيين أن الشيء الأهم بالنسبة إلى سعادتهم هو الحب وليس التميز الجيني، فيما ذكر الرجل الفرنسي أن التعود على استدعاء أفكار مبهجة بشكل مستمر، لمدة 15 دقيقة يوميا، يساعد في تحقيق السعادة.

فضول العلم فضيلة تحسب إليه، إلا في السعادة التي لا يمكن تقنينها أو قياسها مختبريا، كما الأمر مع التلوث أو الاحتباس الحراري. إنها من حصة أولئك الحالمين، الجامحين، الطامحين إلى أمل مستحيل للإنسان.

24