العلم يراهن على كسر الحدود الطبيعية بين الآلة والجنس البشري

تمهّد البيوتكنولوجيا في زواجها المعلن مع الذكاء الاصطناعي إلى ميلاد إنسان “السيبورغ”، ذلك الإنسان الذي يجمع في تركيبته العضوية بين قطع غيار ميكانيكية وإلكترونية وقطع غيار حيوية، لتكون النتيجة: كائنا حيا آليا قادرا على التغلّب على الشيخوخة والمرض وتواضع مستوى الذكاء، لكن إن خرج جموح العلماء على السيطرة فإن هذا الكائن الهجين سيصبح خطرا على البشرية.
السبت 2015/05/16
اندماج الآلة بجسم الإنسان.. المستحيل يصبح ممكنا

تتحدّث آثار الحضارات القديمة عن ‏مخلوقات هجينة أسطورية خارقة اجتمعت في أجسادها صفات الإنسان والحيوان؛ وعندما ظهرت أفلام الخيال العلمي اعتقد الناس أن ما جاء فيها مجرّد تخيلات إبداعية مستحيلة التحقق. لكن على ضوء ما نعيشه اليوم من تطورات علمية وتحدّ تكنولوجي وتطورات في عالم الذكاء الاصطناعي، يتأكّد لنا أن المستحيل يمكن أن يكون ممكنا، لدرجة أن العلماء باتوا يتحدّثون اليوم عن عصر ما بعد البشيرية وبالتحديد “عصر السيبورغ”، ومخلوقاته الأسطورية، التي تجمع بين الإنسان والآلة .

ويبعث هذا الطموح العلمي والتكنولوجي في جزء كبير منه على الأمل، لما له من إمكانية مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة، على غرار البريطاني نيل هاربيسون، المصاب بعمى الألوان الذي تغيّرت حياته للأفضل بعد زرع هوائي داخل رأسه. والشاب الأميركي إيان بوركهارت، الذي يعاني من شلل تام، أصبح أول شخص في العالم يتمكن من تحريك يده مستخدما فقط قوة “الفكر” أي قوة الدماغ على إيصال “فكرة” ما للجسم، وذلك بفضل رقاقة زرعت في دماغه؛ في خطوة وصفها الأطباء أنها تمثل قفزة علمية في علاج أمراض الشلل، بالرغم من أن الجهاز لا يزال في مراحل الاختبارات الأولية.

ومن النتائج المنتظرة الأخرى من علم التحكّم الآلي، أو الترابط بين الإنسان والآلة، والمعروف علميّا بـ”السبرنطيقا”، التمهيد لظهور كائنات موهوبة وقوية تتخلص من أمراض وراثية مستعصية كالتثلث الصبغي أو متلازمة داون التي تتسبّب في تأخر معرفي وتحولات مورفولوجية.

ورغم الفوائد الصحية وانعكاساتها الإيجابية، التي يمكن أن يساهم فيها تشابك الهندسة الوراثية والهندسة المعلوماتية، لا يخلو بدوره من مخاطر وتهديدات، مع كل ما يطرحه هذا التداخل من قضايا أخلاقية وسياسية وأمنية.

رواد تكنولوجيا المستقبـــل يزرعون بأجسامهم أجهزة تحولهم إلى "سيبورغ" أو إنسان ذي قدرات تفوق قدرات البشر

وقد أثبتت التجارب، بدءا من الديناميت وصولا إلى الطاقة النووية، أن التطور والاكتشافات العلمية يمكن أن تسبب كوارث للبشرية؛ فتقنيات الذكاء الصناعي أصبحت قوية للغاية، على حد تعبير أستاذ علوم الفضاء وأحد مطوري الروبوتات الذكية، هود ليبسون، الذي يتوقّع حدوث ذلك خلال القرن القادم. لكن، ولئن يعتقد ليبسون أن دمج تقنيات الذكاء الصناعي مع الروبوتات قد يتسبب بظهور آليّات خطيرة، فإنه يرفض القول إنها قد تتسبب بدمار البشرية، وإنما على العكس تماما حيث يمكن تطويعها لصالح البشرية، على غرار الطاقة النووية التي يمكن استخدامها في الخير أو في الشر.

فهل سينجح الإنسان في تطوير هذا الكائن الهجين، وماهي حدود الجمع بين الآلة والإنسان، هل سيكتفي العلماء بزرع رقاقات في جسم الإنسان إلكترونية في الجسم لتطوير قدراته، أم قد يتقدّم به الطموح العلمي والهوس بالتجربة إلى حدّ إنتاج إنسان هجين، نصفه آلي ونصفه إنسان؛ وكيف السبيل إلى الجمع بين ما هو ممكن في المجال المعلوماتي والوراثي وما هو مقبول في المجال الأخلاقي؟

في أصل "السيبورغ"

يمكن تعريف “السيبورغ”، أو “السبرنطيقا”، بأنها مشروع للمعرفة يتمحور على التحكم والتوجيه، يجمع بين شكل اصطناعي (الآلة) وشكل طبيعي (جسم الإنسان)، أسسه عالم الرياضيات الأميركي نوربرت فينر (1894-1964)، انطلاقا من فن قيادة الملاحة، وصارت تعني حديثا علم المراقبة والتواصل عند الإنسان والآلات.

ماهو السيبورغ
كل جهاز اصطناعي خارجي تتم إضافته إلى الجسد البشري مما يؤدي إلى خلق إنسان السيبورغ (نصف بشري-نصف آلي).

من هو أول إنسان سيبورغ

يعتبر كيفن وارويك، أستاذ علم التحكم الآلي، أول سايبورغ في العالم. فهو بدأ يزرع رقائق الكترونية في جسمه منذ التسعينات. وفي العام 2002 أُخضع لجراحة رائدة لربط اقطاب كهربائية بالالياف العصبية في ذراعه.

هل يشكل عصر السيبورغ خطرا

الفيزيائي الكبير ستيفن هوكينج والخبير إيلون ماسك حذرا مؤخرا من أن التصورات المرعبة التي كنّا نراها في قصص وأفلام الخيال العلمي قد تتحول إلى حقيقة عمّا قريب. وقال إيلون ماسك: “يجدر بنا توخي الكثير من الحذر حيال الذكاء الاصطناعي، فقد يكون أخطر تهديد على وجود الجنس البشري”.

هل يتفوق الذكاء الإصطناعي على الذكاء البشري

المخترع راي كورزوايل، يتوقع أن يتخطى الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري بحلول العام 2045. لكنه يرى أن بإمكان الإنسان ضمان عدم انحراف الذكاء الاصطناعي عن الدور المطلوب منه باتبّاع المبادئ الأخلاقية ضمن إطار صارم من الهيكليات، وأهم عنصر هو تحسين هيكليات الحوكمة والمؤسسات الاجتماعية، ونحن قد أصبحنا، وفق كورزوايل، بالفعل حضارة قائمة على الآلات.

وتنتفي صيغة المؤنث والمذكر في “إنسان السيبورغ”، فهي منزلة بين المنزلتين أو كلاهما معا، وتتجمع حول فكرتين: فكرة التوازن أو حول جهاز تنظيم ذاتي، ثم فكرة الوظيفة اللاواعية، حيث التوازنات تقام وتقلب بشكل دائم بواسطة تدخلات واضطرابات ومساهمات متعددة.

ولرفع هذا التحدي، تطرح فرضية الرفع من قدرات الإنسان الذهنية والجسدية والحيوية عبر تحويره وتحسينه من داخله عوض الاكتفاء بترميمه. بحيث وصلنا اليوم إلى كسر الحدود بين الإنسان والآلة وبتنا نعاين تقاربا بين العالمين. ومن ثم، لم تعد عملية التدخل في الجسد الحي محدود القدرة، المريض والعاجز، مخيفة، لذا لا بد من مواجهتها عوض الاكتفاء بتأجيلها أو الالتفاف حولها، أي أن الإنسان لن يحافظ على النوع البشري إلا برؤية جديدة، قوامها”السيبورغ”.

مردّ هذا الدفع كما يقول أهل الجدل، أننا لا نستطيع الإنكار أننا نلجأ اليوم إلى استعمال المنشطات الكيماوية وزرع رمّامّات ميكانيكية في أجسادنا. وهنا يتضح أن التحولات التي بدأت تلوح في الأفق، إنما تتم من خلال زرع آلية دقيقة بغية تحقيق تناغم كامل بين الإنسان والآلة، فضلا عن تذويب عناصرها الذرية في الجزيئات الحيوية كأجهزة الأشعة الحمراء والأشعة البنفسجية الكاشفة للظلام، مما ينذر بتحول كبير في قدرات حواسه الخمس، طبقا لآخر مستحدثات أجهزة التواصل الرقمية والنانوتكنولوجيا.

والواقع أن الرمّامّات السمعية والبصرية ليست جديدة، بل الجديد هو أننا نعاين أشكالا متطورة منها، تشتغل بآليات بالغة الدقة وبحوزتنا معارف متقدمة في صنع أياد وأرجل تبدو وكأنها حقيقية، بل تتفوق أحيانا على أداء أيدي وأرجل طبيعية، تساعد ذوي الاحتياجات الخاصة. فضلا عن ذلك، يمكن أن نطرح لاحقا تغيير أعضاء أخرى كالقلب والجهاز الكلوي أو العين.

ولم يعد السؤال المطروح هو حول عملية محاكاة “قطع الغيار” لأعضاء الإنسان الطبيعية، بل أصبح السؤال هل يمكن الاكتفاء بإصلاح العطب أو سيصل الفضول لكسر الحدود عند العلماء للانتقال إلى مرحلة تحوير الإنسان! وتُصبح بعض الأساطير عن “الإنسان الهجين” حقيقة واقعة بفضل التطور العلمي والجموح التقني، حيث انتقل اهتمام العلماء إلى كيفية إرسال الإشارات من الدماغ وربطه بالآلات الإلكترونية.

وهناك عدة أبحاث تتوخى أن تجعل من الإنسان آلة تحكَم، قادرة على التفاعل مع آلات أخرى بفضل حركة اليد أو بشكل أرقى ذهنيا، وأبرز مثال في هذا السياق هو كيفن وارويك، أستاذ علم التحكم الآلي في جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة بزرع رقاقات في جسمه منذ عام 2002، وهو يرى أن التقدم التقني وسيلة لتحسين الإنسان وليس علاجه فحسب، بحيث استطاع إرسال إشارة إلى ذراع إلكترونية عبر الإنترنت في الولايات المتحدة الأميركية.

يجري وارويك أبحاثه لزرع رقاقة إلكترونية تُمكنه من التواصل مع إنسان آخر يحمل رقاقة إلكترونية بدوره لإنجاح عملية توارد الخواطر بين الكائنات الإنسانية بشكل إلكتروني، بحيث يصرح أن هذه الإمكانية ستكون فعلية في السنوات القادمة.

ومن ثم ندخل فعليا مرحلة الكائنات الهجينة، على نحو ما تطرحه من جدل عنيف. وبالتالي لا مناص من إنتاج إنسان بمواصفات آدمية وآلية لإحباط محاولات التمييز العنصري وعدم المساواة. بحيث يتأطر استمرار الإنسانية وإنقاذها ضمن مشروع جديد: عصر ما بعد الإنسانية من خلال قراءة العالم بأحرف رياضية ومعلوماتية ووراثية.

لكن هذه المحاولة تطرح ضجة كبيرة، وتلاقي استهجانا أخلاقيا ودينيا ومجتمعيا، وحتى سياسيا، وسط التخوّف من استعمال الذكاء الصناعي والتقدم العلمي في التحكم وتوجيه الإنسان لاحقا وفق رغبات لا يحمد عقباها، وقد حذّر من ذلك عالم الفيزياء النظرية ستيفن هوكينغ، مشيرا إلى أن أن تطور الذكاء الاصطناعي قد يشكل كارثة للجنس البشري”. وتعكس خطورة هذا الطموح العلمي، رغم فائدته على البشرية، الرسالة المفتوحة التي وقّعها، خبراء الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء العالم وتعهدوا فيها بالتنسيق والتواصل بعناية وعلى نحو آمن حول التقدم المحرز في هذا المجال لضمان أنها لن تخرج عن طور سيطرة البشر، خاصة وأن مستوى الصراعات يتصاعد في العالم، على ضوء التغييرات المناخية والحاجة إلى الطاقة وارتفاع عدد سكان العالم، مقارنة بنقص الموارد الطبيعية.

البريطاني نيل هاربيسون أول إنسان سيبورغ يسجل رسميا في العالم. وهو يعاني من “عمى الألوان” لذلك ثبّت داخل رأسه رقاقات وهوائيا يساعدانه على التعرف على الألوان.

ويزداد الوضع حساسية في ظلّ تصاعد التهديدات الأمنية والحروب الإلكترونية ودخول التقنيات المتطوّرة مجال صناعة الإرهاب، وبعد أن أضحى العلم، في جانب كبير منه سلاحا قوميّا تتنافس من خلاله الدول، وتوظّفه في تحقيق خططها الاستراتيجية وفي حروبها وصراعاتها، حيث، تعمل مراكز البحوث العسكرية، في الدول المتقدمة، خصوصا الأميركية، على الحصول على برامج ذكيّة، تمكّنها من حصر مكامن الضعف لدى العدو، فضلا عن تلك التي تسعى إلى صناعة أسلحة ذكية مستقلة، تقوم بمهاجمة العدو تلقائيا في أفق عام 2040، بالإضافة إلى تطوير طائرات مقاتلة تتمتع بالقدرة على الطيران من خلال الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي

الخطير في الذكاء الاصطناعي القوي، هو عندما ينجح العلماء في تطويره ليحاكي سلوكيات الإنسان عبر الإنسان الآلي، وهو ما يطرح مسألة التعايش إذا استطاع هذا الأخير استبطان أحاسيس إنسانية كالخوف والغضب والتعاطف.

في عام 2015، ما زلنا أبعد من ذلك والحديث مبكّرا عن وجود مثل هذه الكائنات في صورة إنسان- آلي بهذه المواصفات، لكننا نتجه بخطوات حثيثة نحو هذه الوضعية بفضل برامج التشغيل الآلي والأجهزة التفاعلية. ولا يمكن تحديد المسار المستقبلي لهذه العلوم على وجه الدقة بعد عشر أو عشرين سنة، لكن أخبار الدراسات والأبحاث متسارعة الخطى تنبئ بأن الواقع المنتظر يفوق أكثر الأفلام الخيالية جنوحا، وإذا استطاع الإنسان إبداع آلة واحدة تتفوق عليه، فهذا يعني أنه بإمكانه خلق آلات أخرى يمكن أن تتفوق عليها آجلا أم عاجلا، لكن المشكلة ليست في إبداع آلة فائقة الذكاء، بل أن تبقى هذه الآلة تابعة وطائعة له باستمرار، عكس ما يقول نيتشه على لسان زرادشت: الإنسان شيء يجب تجاوزه.

باحث جامعي، مركز تاريخ أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

7