العلم يكشف تهويل الكتب لصرعة حميات الغلوتين

ينساق الكثيرون وراء ما يرد بالكتب والمقالات الشهيرة المتخصصة في الحميات والأنظمة الغذائية التي توهم من يتبعها بالصحة والرشاقة. فيستغل الكتاب التخوّف من الإصابة بالبدانة ويبالغون في وصف الحميات التي تفقد الجسم حاجاته الأساسية من المعادن والفيتامينات ويتساوى عندهم الأشخاص الطبيعيون مع من يعانون من بعض الحساسية أو الأمراض.
الخميس 2017/06/22
الأغذية الخالية من الغلوتين تلقى رواجا واسعا

واشنطن – قوالب الحلوى المعروفة باسم “الكب كيك” المعروضة في الفاترينة وعلى الطاولة شكلها لا يقاوم، ولكن “هل تحتوي على الغلوتين؟”، يسأل الزبون. نوادل المقاهي وباعة محال الحلوى في الولايات المتحدة أصبحوا بالفعل معتادين على مثل هذه النوعية من الأسئلة، علاوة على أن المطاعم الأميركية تقدم سنويا ما يزيد على 200 مليون وجبة غداء خالية من مادة الغلوتين، حيث تشهد الولايات المتحدة هذه الأيام تزايدا واضحا في الإقبال على حميات الطعام الخالية من هذه المادة، ذلك البروتين الموجود في القمح والحبوب الجافة.

بالرغم من ذلك، يُعزى الإقبال على هذه النوعية من الحميات إلى أسباب متنوعة للغاية. تعتبر هذه الحمية أمرا وجوبيا إلزاميا بالنسبة إلى من يعانون من “حساسية القمح” أو ما يعرف بمرض السلياك، الذي قد يسمى أيضا بأنيميا القمح، وهو مرض مناعي ذاتي مكتسب يصيب الأمعاء الدقيقة لدى الأشخاص ذوي العرضة والذين لهم قابلية جينية للإصابة به في أي مرحلة عمرية منذ الطفولة حتى الشيخوخة. ومن أهم أعراضه الإسهال والنفخة وآلام البطن، كردة فعل على التعرض لمادة الغلوتين أو الغليادين الموجودة في الحبوب وخاصة القمح، مما يؤدي إلى حالة اعتلال معوي. وكذلك يعتبر الالتزام بها أمرا حيويا بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون من أي منتج آخر يضمّ بروتين الغلوتين.

كما أن هناك من اقتنعوا بهذه الحمية وأهمية تطبيقها بعد قراءة الكتاب المتصدر قائمة الأعمال الأكثر مبيعا “ويت بالي” أو “كرش من القمح” للدكتور ويليام ديفيز، حيث أكدوا أن مادة الغلوتين غير صحية، وهي من الأسباب الرئيسية للإصابة بالبدانة. وتشهد هذه الحمية إقبالا منقطع النظير إلى درجة أن الإحصاءات تفيد بأن واحدا من كل عشرة منازل في الولايات المتحدة يستهلك طعاما خاليا من الغلوتين، فيما يعتقد واحد من بين كل أربعة أميركيين أن الغذاء الخالي من الغلوتين صحي ومفيد لأي مواطن عادي.

تناول أطعمة خالية من الغلوتين ليس له أي تأثير إيجابي أو فائدة تذكر على الصحة، بل على العكس من ذلك تماما

ومع ذلك توضح دراسة حديثة نشرتها دورية “بريتيش ميديكال جورنال” العلمية المتخصصة أن تناول أطعمة خالية من الغلوتين ليس له أي تأثير إيجابي أو فائدة تذكر على الصحة، بل على العكس من ذلك تماما، يؤدي تقليل الغلوتين إلى تقليص استهلاك كمية الحبوب الكاملة التي تحمي القلب من عدة مشكلات صحية. يوضح أخصائي الجهاز الهضمي والباحث المشارك في هذه الدراسة، اندرو شان، أستاذ طب الجهاز الهضمي بجامعة هارفارد “وفقا لبياناتنا، أي نظام غذائي يحتوي على نسبة ضئيلة من الغلوتين، بدافع الحرص فقط على الصحة، لا يُنصح بالاعتماد عليه”.

وقد ساهم في إعداد هذه الدراسة فريق من الخبراء والأخصائيين من عدة جامعات ومراكز بحثية مرموقة، وعلى رأسهم البروفيسور بنجامين لبهول، أخصائي السيلياك بجامعة كولومبيا (نيويورك)، حيث أجروا أبحاثهم على عينة من المواطنين الأميركيين تعدادها 110 آلاف مواطن، خلال فترة طويلة للغاية امتدت من 1986 حتى 2010. وخلال تلك الفترة الطويلة كان أعضاء الفريق يجتمعون مرة كل أربع سنوات لتبادل البيانات حول الصحة الغذائية للعينة قيد البحث، والتي قسموها إلى خمس مجموعات بحسب معدل استهلاكها للأغذية التي تحتوي أو لا تحتوي على الغلوتين.

يقول شان “تشير النتائج إلى أن المجموعة الأقل استهلاكا لمواد غذائية تحتوي على الغلوتين، سجلت بين أفرادها نفس نسب الإصابات بأمراض القلب. صحيح أن الغلوتين مادة ضارة بالنسبة إلى المصابين بالحساسية منها أو المصابين بالسيلياك، ولكن أصحاب الكتب الأكثر مبيعا استغلوا الموقف لنشر الفكرة والتشجيع على حميات غذائية تنخفض فيها نسب الغلوتين أو تخلو منه على اعتبار أنها صحية أكثر لأي شخص”. ومن ثم يضيف لبهول أن الأشخاص الطبيعيين الذين يتخلون طواعية عن تناول الحبوب الكاملة لاحتوائها على الغلوتين، يعرضون أنفسهم لخطر فقدان قيمتها الغذائية المهمة بالنسبة إلى القلب.

ولهذا ينصح الأخصائيون بإجراء تحاليل طبية في حالة الإصابة باضطرابات معوية، وعدم الانقياد وراء اختبارات الإنترنت أو المعالجين الشعبيين. وبناء عليه، يجب على الأسر التي تتخلى عن الغلوتين أن تتوخى الحذر في حالة إجبار أبنائها على اتباع هذه الحمية، أخذا بعين الاعتبار تجربة الرضيع البلجيكي المؤسفة، والذي توفي في شهره السابع وهو يعاني من الهزال، نتيجة إصابته بحساسية السيلياك بسبب اتباع والديه حمية تخلو من الغلوتين الموجود في الحبوب ومنتجات الألبان، بحسب التشخيص الطبي للحالة. وقد احتل الخبر عناوين الصحف في الآونة الأخيرة، وأثار جدلا واسعا.

اتباع أو إجبار رضيع على اتباع حمية خاصة تمنع منها مجموعة من المواد الغذائية دون إرشادات طبية، أمر غير مبرر ولا فائدة منه

بالرغم من ذلك، ومع تزايد فزع الآباء الذين روعهم الخبر، نصح أطباء الأطفال بالتحلي بالهدوء لأنه ببساطة “لا أحد يموت بسبب تناول الغلوتين”، حسب ما أكدته على مدونتها طبيبة الأطفال الإسبانية، لوثيا جالان، مؤلفة كتب مثل “أفضل ما في أيام حياتنا” و “أنتِ أم رائعة”، مطالبة وسائل الإعلام بالتحلي بالمسؤولية. وتوضح الدكتورة جالان أن الرضيع البلجيكي توفي بسبب سوء التغذية، لأن والديه غذّياه بسوائل نباتية، من بينها حليب الكينوا، المستخرج من بذور هذا النبات الذي ينمو في جبال الأنديز.

مع ذلك، توضح الحالة أن “اتباع أو إجبار رضيع على اتباع حمية خاصة تمنع منها مجموعة من المواد الغذائية دون إرشادات طبية، أمر غير مبرر ولا فائدة منه”، بحسب ما يؤكده أوسكار جارثيا، مدير مستشفى برشلونة كلينيك لحديثي الولادة، فيما تؤكد جالان بصورة قاطعة أن “المبرر الوحيد للتخلي عن الغلوتين في الغذاء هو وجود تشخيص طبي لمرض السيلياك أو أنيميا القمح، بخلاف ذلك قد تكون هناك تبعات لا تحمد عقباها”.

خلص فريق من الباحثين من كل من الولايات المتحدة وإيطاليا إلى أن أجسام الأشخاص الذين يقولون إنهم يعانون “حساسية القمح” تستجيب بيولوجيا لبروتينات الغلوتين الموجودة في القمح والشعير، إلا أن هذه الاستجابات تكون مختلفة عما يحدث للأشخاص الذين يعانون الأمراض الهضمية التي يكون الغلوتين متسببا فيها أيضاً.

17